فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 220

إلا أنه ليس أثر الإيمان الذى يجب أن يملأ أرجاء النفس، وأن يسيطر على بواعث الفعل والترك فيها. 196

نعم، هو شرف لأن الذى يدع رذيلة ما، حتى لا يقفه الناس موقف تثريب وتقريع، أفضل ممن يغلبه هواه، فلا يبالى ما يلقى من ذم. إلا أن سيرة المؤمن الذى يخاف الله أشرف وأحق بالتنويه... إذ أنه ترك الإثم هنا لسبب أجل هو الخوف من جلال الله. ثم المؤمن الذى يعرف الخير والشر، والحسن والقبيح من لسان الشارع لن يضل في معرفة العيب الذى يتركه، والخير الذى يفعله. ولو أنه تلقى ذلك من أفواه الناس الذين يطلب ثناءهم ويخشى ملامهم لأمكنه في عصرنا هذا أن يسكر وأن يزنى وهو مطمئن إلى أن مواهبه الأخرى ستجعله عظيما محبوبا... إن مخافة الله بترك ما حرم هى الأساس الأعظم في تكوين الشخص الشريف المأمون. ومن الخطأ حسبان الخوف وحده هو الحاجز عن الشر، والدافع إلى الخير، إن الواقع في حياة المؤمن غير هذا، والمفهوم من طبيعة الإيمان غير هذا... فقد يترك المرء المعصية حياء من المنعم، أو رجاء ما عنده، أو شعورا نفسيا وعقليا بدمامتها، أو حبا غالبا لله الذى أمر ونهى. والمؤمنون ليسوا سواء في هذه البواعث، بل المؤمن الفذ تختلف أحواله في استقبال ما يعرض له، فقد يفعل الشىء أو يتركه بدافع الرغبة حينا وبدافع الرهبة حينا، وبدوافع أخرى حينا آخر. والخوف من الله دافع بارز في حياته من غير شك، وهو دافع معقول، فمن ظن الخوف لا يعرض للبشر أصلا فهو مبطل، ومن ظن الخوف من أى شىء أنفس معدنا، وأرقى دلالة من خشية الله فهو كاذب. ومن ثم كان الخوف من الله ركنا في الإيمان به (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم و إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) . ويكاد الخوف يكون وحده العامل الحاسم في كثير من المواقف القلقة، والعاصم المنجى عن ثوران بعض الغرائز العنيفة وجماحها الشديد. سيما وقد نبهنا إلى أن الخوف وليد المعرفة، فكلما اتسعت معرفة المرء لله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت