يؤمل فيما سواه. هذه الحالة تقوم على إدراك عقلى سديد لطبائع الأمور. فماذا يرجو الفقير من فقير مثله، وماذا يبغى العاجز من عاجز مثله. إن المسلك الرشيد الوحيد ألا يقف المرء سائلا إلا بباب الله القوى الغنى، أما أن يتولد في نفسه رجاء عند ذى جاه من الخلق، فهذا هو الحمق، وما أحسن قول الشاعر: ولى بالله إيمان وثيق فعن لكم بإيمان وثيق؟ قويت به فما أعيا بعبء ولا أشكو عثارا في طريق ولا أخشى المضرة من عدو ولا أرجو المبرة من صديق وما طمعك في بشر لو اعتدت عليه ذبابة لم يستطيع الانتصار منها؟. إن جرثومة مرض ما ـ وهى أقل وأضأل من الذبابة ـ تسلب الجبار من الخلق صحته، فيحار كيف يستردها منها؟. وصدق الله العظيم إذ يقول: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا و لو اجتمعوا له و إن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب) . والغريب أن الطمع في العبيد خالط ألوف القلوب فأفسدها. هذا عالم يتكلم بصوت خفيض وطرف كسير مع الحكام الجائرين. ولو شاء لرفع صوته كالرعد، ولكنه يهمس حينا ويخرس أحيانا لأن بذور الطمع نمت في نفسه فأذلته... إن تطلعه إلى ما يملك فلان من مال، وإلى ما يهب فلان من جاه جعله يلين وينكسر وينكمش. ولو أنه يئس من عطاء الخلق، وأنس بعطاء الخالق، لكان أعز نفسا وأعلى رأسا. وكم من أناس أزرى بهم طمع في هذا وأمل في ذاك. وكم من حقوق طمست، ومصالح عطلت؟ وأوضاع اعوجت بسبب أطماع نفسية محقورة. واليأس من الناس يحتاج إلى تدريب النفس على العفة والأنفة، وعلى اكتفاء ذاتى يصدها عن التطلع إلى ما بأيدى الآخرين، والاستغناء بالقليل الموجود عن الكثير المشتهى. قال محمد بن بشير: 111