زوجها على الثلث من صداقها، فقال: ليس هذا من علمي هذا من علم أبي حاتم. فقال لي: يا أبا حاتم كيف تكتب إلى أمير المؤمنين تصف فيه خصاصة أهل البصرة وما أصابهم في الثمرة من الجوائح وتسأل النظر لهم فقلت: أنا صاحب قرآن لست بصاحب بلاغة وكتابة فقال: أقبح بالرجل يتعاطى العلم خمسين سنة ولا يعرف إلا فنًا واحدًا حتى إذا سئل عن غيره لم يجر فيه جوابًا لكن عالمنا بالكوفة الكسائي لو سئل عن هذا لأجاب.
ومن استقرى تاريخ العرب يجد من أمثال الكسائي مئات كما قلنا ممن كتب لهم التقدم في علوم كثيرة فقد ذكر ابن خلكان وابن أبي أصيبعة في ترجمة كمال الدين بن يونس المتوفى سنة 639 وهو ممن لم يشتهروا كثيرًا بيننا أنه تبحر في جميع الفنون وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد وتفرد بعلم الرياضة وكان الفقهاء يقولون أنه يدري أربعة وعشرين فنًا دراية متقنة منها المهب والخلاف العراقي والبخاري وأصول الفقه وأصول الدين والحكمة والمنطق والطبيعي والإلهي والصب وفنون الرياضة من إقليدس والهيئة والمخروطات والمتوسطات والمجسطي وأنواع الحساب المفتوح منه والجبر والمقابلة والرثماطيقي وطريق الخطأين والموسيقى والمساحة معرفة لا يشاركه فيها غيره إلا في ظواهر هذه العلوم دون دقائقها والوقوف على حقائقها واستخرج في علم الأوفاق طرقًا لم يهتد إليها أحد وكان يبحث في العربية والتصريف بحثًا مستوفيًا وكان له في التفسير والحديث وما يتعلق به وأسماء الرجال يد طولى وكان يحفظ من التواريخ وأيام العرب ووقائعهم والشعار والمحاضرات شيئًا كثيرًا وكان أهل الذمة يقرؤن عليه التوراة والإنجيل وشرح لهما هذين الكتابين شرحًا يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما له مثله وكان في كل فن من هذه الفنون كأنه لا يعرف سواه لقوته فيه قال صاحب وفيات الأعيان: وبالجملة فإن مجموع ما كان يعلمه من الفنون لم يسمع عن أحد ممن تقدمه أنه قد جمعه قال أبو بشر ثمامة بن الأشرس الخميري المعتزلي وكان خصيصًا بالمأمون: رأيت رجلًا يتردد على باب المأمون ورأيت عليه أبهة أديب فجلست إليه فناقشته في اللغة فوجدته بحرًا فاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده وعن الفقه فوجدته رجلًا فقيهًا عارفًا باختلاف القوم وبالنجوم ماهرًا وبالطب خبيرًا وبأيام العرب وأشعارها فقلت له من تكون وما أظنك إلا الغراء فقال: أنا هو.