فهرس الكتاب

الصفحة 3066 من 6802

ذاك اليوم وأعيادها كثيرة هي صورة من صورتها في القرون الوسطى بل في القرون الحديثة قبل أن تنادي فرنسا بتأليه العقل وتعلن الحكومة علنًا نزعها ريقة الدين.

نعم إن زائر كنائس باريز تتجلى له فلسفة القوم النفسية. ومما زرته من كنائس باريز كنيسة نوتردام والمادلين وعدد الكنائس الباريزية سبعون كنيسة أسقفية للكاثوليك ما عدا بيع الروم والبرتستانت ومعابد اليهود الأربعة وما عدا المصليات والبيع الصغرى ونوتردام هي من أعظم الكنائس وهي أجمل إنموذجات البنايات القديمة تجيء بمكانتها بعد كنيسة مدن شارتر وريمس وأمين وبورج وتفوقها بآثارها التاريخية وكفى بأنها أُنشئت في أوائل النصف الثاني من القرن الثاني عشر ولم تزل تتعاورها الأيدي بالنقش والتزيين والترخيم والتعريق حتى يوم الناس هذا وفيها من بدائع ما صنعت الأيدي وتفننت فيه العقول ما يدهش ويبهر.

زرتها قبيل صلاة المساءِ مع صديقي عثمان بك ووقفنا نستمع لوعظ الواعظ عَلَى جمهور المصلين وأكثرهم من النساء. يعظهن واصفًا لهن غرور الحياة الدنيا بالقياس مع الآخرة ومنهن من تغر ورق عيناها بالدموع أو تجهش بالبكاء خصوصًا عندما يذم بلسان بليغ غرور أهل باريز. فهو داخل الكنيسة يقوم بالواجب ليدعو الناس إلى الزهادة ويجيب إليهم العبادة ووراءَ سور الكنيسة تجري كل ساعة شؤون وأعمال دنيوية هائلة كلها ما كانت تقوم لو عمل الناس بمثل هذه المواعظ وآثروا الباقية على الفانية. إن ما رأَيته من انتظام البيع الباريزية وتفنن البانين في إبداعها وتفانيهم في توفير قسطها من الجمال دلني بلسان حاله عَلَى أن مدينة القرون الوسطى قامت باسم الدين ولذلك جاءت المعابد أجمل مصانع تلك القرون وكان أكثرها إلى الزوال لو لم تتدارك في القرون الحديثة ببلسم من إنارة العقول بالفلسفة والعلم المادي أما مدينة هذا العصر فلا أدلّ عليها إلا بما ينفع الناس في دنياهم كالسكك الحديدية والبوارج والبواخر والمرافيءِ والمعامل والثكن والمستشفيات والمدارس والكليات ودور البائسين والحقول الأنموذجية والمتاحف وحير الوحوش والمكاتب ودور التمثيل. فهل يأْتي عَلَى البشر عصر يا ترى يكون فيه ما ينمّ عن مدينتهم غير ما ذكرنا قديمًا في الدين واليوم في الدنيا ويخف تكالبهم على مظاهر هذا العالم وينسون بتاتًا تعظيم ما خلفته عصور التدين من المصانع والعبادات التي انتقلت إلى أكثرهم بالعادة أو يمزجون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت