معارفهم ممن شانوا شأنها وعبثوا بمالها تذرعًا إلى مطمع ينالونه وصيت بالباطل يحصلونه ومقام عالٍ ينزلونه. نعم لم نشهد العطار بيطارًا ولا الإسكاف نجارًا ولا الحطاب رسامًا ولا الفحام نظامًا ولا الجوهري حجامًا ولكن شهدنا الفلاح صحفيًا والمتشدق مؤلفًا والثرثار محاميًا والمكثار خطيبًا كما نشهد الأغبياء قد يحاولوا بلوغ درجات الأذكياء والفقراء يقلدون الأغنياء.
بيد أن سنن الفطرة التي لا تغالب ونظام هذا الكون البديع الذي قلما اختل يعاقبان المعتدي على ما لا يعلم بما جنته يداه كما قيل في الأمثال الإفرنجية كل خطاء يحمل عقوبته فيه. وندر جدًا في الناجحين من تيسر لهم الوصول إلى ما وصلوا إليه باتخاذ الذرائع المنجحة ونسج حلل مجدهم بأيديهم.
رأينا كثيرًا ولاسيما في بلاد مصر والشام التصقوا بالصحافة وأنفقوا ثرواتهم في سبيلها فلم ينجحوا في مسعاهم ورجعوا بعد العناء الطويل وخسارة المال صفر الأيدي خائبين لأن مائدة العلم لا يجلس إليها طفيلي ولأن التمويه إن صعب في عمل فهو في الأعمال العلمية أصعب.
ومن ذلك رجلان اثنان صرف أحدهما في تأسيس الجرائد بضعة ألوف من الجنيهات والآخر بضعة مئات من الليرات وبعد العمل سنين ومحاولة النجاح ولو بالتلون في المبادئ وقلب الحقائق وتقبيح ما يستحسن واستحسان ما يستهجن والظهور في مظهر المصلحين الغيورين بعد كل هذا اضطرا إلى الرجوع أدرهما ولو كانا صرفا ربع ما بذلاه في هذا السبيل على درس فن الصحافة على أصوله وتلقناه كما تتلقن الصناعات المهمة ويدرب عليها المشتغلون بها لكان النجاح مضمونًا لا محالة.
ولقد شاهدنا عيانًا أن معظم الصحف التي كتبت لها البقاء في هذين القطرين الشقيقين خاصة هي التي قام بأعبائها أناس متعلمون تخرجوا في الكتابة وتدربوا في السياسة وتذوقوا لماظة من العلوم التي لا يسع صاحب جريدة ومحل جهلها. ومعظم من لم يخاذنهم ما يسمونه بالتوفيق أخفقوا لأسباب ناشئة من ضعفهم وقلة معارفهم في صناعة يلزمها ما يلزم لكل صانع من الأدوات إن لم نقل أنها تتوقف على أدوات أكثر.
وهنا مجال لأن ننصح الشبان المتهوسين في الكتابة الراغبين في الشهرة أن لا يقدموا على