كثيرًا ما تضطرها أعمال زوجها للرحيل إلى برلين؛ وكانت أوثق صلة بهتلر من سواها، فكانت تضيف إلى جمال عينيه الحزن والكآبة اللذين يبدوان عليه دائمًا. وبدأت أعير الأسطورة الذائعة في ألمانيا انتباهي واهتمامي، تلك أنه لا يهدأ ولا يسر إلا بالعزلة. ولقد شاد في بافاريا دارًا في الجبل كثيرًا ما يأوي إليها ليخلو إلى تأملاته، وينتظر إلهاماته. وحدثني المرأة قائلة:
-ذهبت إليه في أحد أيام عيد الميلاد، ودعوته للتفضل بزيارتنا مؤكدة له أنه لن يستطيع قضاء ليلة العيد هذه إلا بين أطفال إحدى العائلات، فما كان منه إلا أن هز رأسه وأجابني بقوله:
(كلا، كلا، إنني سأمتطي سيارتي مساء اليوم وسأتغلغل في الغاب تحت الثلج فأكون بعيدًا عن الناس معتزلًا بنفسي) فحضرتني الجرأة إلى أن أتقدم إليها بالسؤال عن صلته بالمساء، فكان جوابها أنه لا أثر لهن في حياته قط. ومضت في حديثها قائلة:
-وسألته في يوم آخر عن السبب الذي أفضى به للجنوح عن الزواج، فأجابني: (أوه، كلا، إنني ذو شعور مرهف وحس دقيق، ووقوع طفل واحد لي في المرض يحول بيني وبين المضي في أعمالي السياسية
وذكرت - لدى سماع هذا - أن هذا الرجل الحساس فد قتل يوم الثلاثين من يونيه عام 1935 ريهم فون كار، وأوبرفورن، وأوتوستراسر، والجنرال فون شليخر وامرأته، وكثيرًا غيرهم، يبلغ عددهم زهاء سبع وسبعين نفسًا. ولكنني ظللت مصغيًا لحديثها اعتقادًا مني أنه من الواجب علينا أن نساير النساء في تفكيرهن إذا وددنا أن نقف على أسلوب التفكير لدى إحدى الأمم. . . قالت المرأة:
-ولما سألته هل يعتقد أن الحكم السائد بيننا هو الحكم الصالح، أجابني بقوله: (كلا، إننا نرفض كل حكم وراثي، إذ أن البنات لا الأبناء هن اللواتي يرثن عادة عبقرية الأب. إن التوريث هو خطأ الملكية)
فتذكرت فجأة هذا التعبير الجميل لمؤرخنا ألبير سوريل: (إن حياة أسرة المرء امتداد لحياته بعد موته، وحياة الأمة امتداد لحياة الأسرة بعد فنائها) وأنا أقول إن حياة الأمم التي يخلفها الملوك هي امتداد لحياتهم إن ماتوا