رعاه ضمان الله هل في بلادكم ... أخو كرم يرعى لذي حسب عهدا
فإن الذي خلفتموه بأرضكم ... فتىً ملأ الأحشاء هجرانه وجدا
أبغدادكم تُنسيه أَرْوَنْد مربعًا ... ألا خاب من يشري ببغداد أروندا
فدتهن نفسي لو سمعن بما أرى ... رمى كل جيدٍ من تنهده عقدا
فقد صح للشاعر البدوي أن يفضل ماء (الوشل) على جميع المياه فيقول:
أقرأ على (الوشل) السلام وقل له ... كل المشارب مذ هُجِرت ذميمُ
سقيًا لظلك بالعشيّ وبالضحى ... ولبرد مائك والمياه حميم
لو كنت أملك منع مائك لم يذق ... ما في قِلاتك ما حييت لئيم
وهذه الأبيات تبلغ الغاية من المعاني الوطنية، وفيها تتوقد جذوة الصدق
وقد أُغرم العرب بعد الإسلام بتقديس ما عرفوا من المياه والأنهار فزعموا أن النيل ينبع من الجنة، ولهم في ذلك أساطير يعرفها قراء كتب الأدب والتاريخ. وأروند التي ذكرناها آنفًا عرفت الأسطورة التي تقول بأن في جبلها عينًا تتفجر من الفردوس.
وما دخل العرب بلدًا إلا رأوه خير البلاد: فمصر عند أهلها أطيب البلاد وهي كنانة الله في أرضه من أرادها بسوء قصم الله ظهره. والعراق عند أهله أجمل بقاع الأرض وفي رحابه تنبت عرائس الشعر وتسيطر العيون السود. والشام عند أهله جنة الأرض وفي عرصاته يقوم الناس يوم الحساب. وهضاب فارس كانت في أنفس شعرائها ملاعب الأفئدة والقلوب. وتونس والجزائر ومراكش كانت مركز الجيش المرابط الذي صدَّ الغارات الأوربية حينًا من الزمان
ولو أردنا أن نستقصي أشعار العرب في وصف ما عرف المسلمون من البلاد لجمعنا من ذلك مجلدات ضخامًا تصور غرام العرب بما شهدوا من أطايب الوجود
فمن أين عرف أحمد أمين أن الماء الحقير في مستنقع جاهلي كان عند العرب خيرًا من دجلة والفرات والنيل وسائر أنهار الدنيا؟
من أين استسقى مصدر هذا الحكم الخاطئ الأثيم؟
إن أحمد أمين يمزح في مواطن لا يُقبَل فيها المزاح. ولو كان ينتظر أن يتناول الناقدون كلامه وأحكامه بالتجريح والتزييف لأقلع عما تورط فيه من مبالغة وإغراق، فليلق جزاء ما