(ولا عبرة بمخالفة الشيعة والخوارج) أو (بمخالفة أهل البدع والأهواء) أو (بمخالفة المعتزلة والجهمية) ونحو ذلك مما يخيفون به، وبهذا امتنع كثير من العلماء عن إبداء رأيهم في كثير من المسائل التي هي محل خلاف ضنًا بسمعتهم الدينية، فوقف العلماء، وحرمت العقول لذة البحث، وحيل بين الأمة وما ينفعها في حياتها العملية والعلمية. ونحن معشر الأزهريين لا ننسى شيوع القول بحرمة الاشتغال بالعلوم الرياضية والكونية والحكم بالزندقة والإلحاد على من شذ فتعلمها أو أباح تعلمها!
وفي مثل هؤلاء الذين يحكون الإجماع في مواضع الخلاف يقول ابن حزم: (ويكفي في فساد ذلك أنا نجدهم يتركون في كثير من مسائلهم ما ذكروا أنه إجماع، وإنما نحوا إلى تسميته إجماعًا عنادًا منهم وشغبًا عند اضطرار الحجة والبراهين إلى ترك اختياراتهم الفاسدة)
وقد كشف جهابذة العلماء عن حقيقة الإجماع التي تسمو عن الخلاف والتي هي حجة ملزمة عند الجميع؛ قال الشافعي: (ولست أقول، ولا واحد من أهل العلم: هذا مجمع عليه، إلا لما لا تلقى عالمًا أبدًا إلا قاله لك، وحكاه عمن قبله، كالظهر أربع ركعات وكتحريم الخمر وما أشبه هذا) . وقال ابن حزم: (وصفة الإجماع هو ما تُيقن أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام ونعلم ذلك من حيث علمنا الأخبار التي لا يتخالج فيها شك مثل أن المسلمين خرجوا من الحجاز واليمن ففتحوا العراق وخراسان ومصر والشام، وأن بني أمية ملكوا دهرًا طويلًا ثم ملك بنو العباس، وأنه كانت موقعة صفين والحرة وسائر ذلك مما يعلم بيقين وضرورة)
ولا يخفى أن معنى ما ذكره الشافعي وابن حزم أن الإجماع لا يكون إلا فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وفيما كان طريق العلم به هو التواتر الذي يفيد قطعية الورود وانتفاء الريب، فهذا هو الإجماع الذي تتم به الحجة ولا يصح أن يخالف، ولا ريب أن العمل في مثل هذا لا يكون عملًا بالإجماع من حيث هو إجماع وإنما هو عمل بما تلقته الكافة عن الكافة مما لا شبهة في ثبوته عن صاحب الشرع، وأن الإجماع فيه لم يكن إلا أثرًا من آثار الثبوت على هذا الوجه فلا يكون مصدرًا له ولا أصلًا في ثبوته
ومن هنا قرر العلماء أن منكر حجية الإجماع لا يكفر في حين أنهم حكموا بالكفر على من