على أسرته، وتلمس أسباب السعادة والنعيم لها، إلى الحد الذي لا يفي به دخله، أو تتسع له ذات يده، فأقبل يستدين ويستدين حتى اضطرب ميزان حياته، وحتى جنى بهذا التصرف على أسرته أكثر مما أفادها! ولم تُتح بذلك أدنى فرصة لتشلرلز يتلقى فيها من العلم ما يشبع بعض نهمه أو يُروى القليل من غلته
وبلغ العاشرة من عمره دون أن ينتظم في سلك مدرسة أو يتلقى دروسًا بالمعنى المفهوم؛ ولكنه كان قد لقن من الحياة دروسًا نافعات، واستنبط من الإهمال والجهالة اللذين اكتنفاه علمًا ولقانة قل أن أتيحا لغيره؛ وكان أثر هذه السنوات الست التي قضاها في شاتهام بالغ الوضوح في تفكيره وإنتاجه الأدبي فيما بعد. ففيها ثقب فكره وتفتحت مداركه، وفيها اكتسب دقةً في النظر وقوة في الملاحظة شعَّ سناهما على سائر تآليفه، وفيها عرف من بأساء الحياة وذاق من مرارة العيش ما أجداه ذوقه ومعرفته كثيرًا، وتقلب في أحضان الفاقة والضر إلى الحد الذي مكَّن له من أن يصف ذلك في رواياته أبلغ الوصف وأصدقه؛ حتى لأصبح البؤس مادة لفنه والبائسون أبطالًا لقصصه، يفصح في التعبير عن أشجانهم، ويجلِّي في الإبانة عما دق أو عظم من أحداث حياتهم.
من شاتهام إلى لندن
انتقل تشارلز وهو في العاشرة من عمره مع أسرته إلى لندن. وكان الجو من حوله يزداد قتاما، ومشاكل الأسرة المالية تهدد بقية نعمتها بالزوال؛ فألحقه قريب له بمخزن لبعض معامل الصباغة لقاء أجر أسبوعي يقل عن ثلاثين قرشًا!
وبدأ تشارلز يتذوق نوعًا من الشقاء لم يألفه من قبل؛ ولقد كتب مرة يقول وهو يسترجع ذكريات هذه الفترة من حياته: إني لأعجب كيف كنت مطرحًا منبوذًا بمثل هذه السهولة وفي مثل تلك السن. أعجب كيف أن إنسانًا واحدًا لم تحركه دواعي الشفقة والرحمة فيرى تدارك ما فات من أمري بإرسالي إلى أية مدرسة عامة!
.. . وقبض على والد تشارلز بعد قليل وأُلقي به مع زوجه في معتقل المدينين؛ فتقوضت بهذا الحادث دعائم الأسرة الصغيرة، وقطن تشارلز بالكراء في بيت عجوز لم تكن لتعنى به في كثير ولا قليل
ولقد رسم لنا تشارلز فيما بعد صورة صادقة لهذه المرأة في روايته الموسومة بعنوان: