شئ؛ فإذا شئنا التحرر من ربقة النقل الصريح فزعنا إلى (الاقتباس) والمحاكاة، ومن هنا كان الكاتب ينقل القصة - مثلًا - عن كاتب غربي ثم يحور أسماء الأشخاص والأماكن، ويغير طابع الرواية بعض التغيير، ثم يخرجها إلى الناس قصة مصرية!
وحالنا في هذا تحاكي الحال التي آل إليها الأدب في العصر العباسي حين كان الكتاب لا يقرأ إلا إذا نص عليه بأنه منقول عن الفارسية، وقيل في هذا الشأن إن عبد الله بن المقفع وضع كتاب (كليلة ودمنة) وضعًا، ثم نحله إلى الهند وفارس ليقرأه الناس ويجدوا فيه متاعًا!
ولما كان الشيء بالشيء يذكر؛ فإن كاتب هذه السطور يذكر أنه كان محررًا بإحدى الصحف اليومية المصرية، وكان صاحب الصحيفة من المولعين بالترجمة؛ فكان لا يسيغ مقالًا من إنشاء المحرر، ولو ضرب به المثل في البلاغة ونصاعة البيان، بيد أنه كان يتطاير طربًا كلما بصر بمقال مترجم عن كاتب أوربي مهما تكن قيمته! ومن هنا كان كل محرر منا يبذل الجهد الجهيد في كتابة مقال، فإذا شاء أن يحظى بتقدير صاحب الجريدة نسبه إلى التيمس أو الطان - مثلًا - رحمة الله وغفر لنا وله!
هذا مثال لسنا مغرقين فيه علم الله، يدل على مقدار ما بلغه الأدب عندنا من التدهور. . . وعلى ذلك يقتضينا الأمر أن نفك الأغلال التي ناء بها أدبنا حتى يكون أدب ما بعد الحرب الراهنة أحسن حالًا من أدب ما بعد الحرب الماضية
نريد أن يكون أدب ما بعد الحرب أدبًا ذاتيًا مستقلًا يصدر عن أحاسيس ذاتية وخوالج نفسية صحيحة، وليس معنى ذلك أن نخنق (الترجمة) ونقضي على المنقول من اللغات الأخرى، وإنما نريد أن نتخير من كل حسن أحسنه، ثم يكون النتاج أخيراَ أدبًا عربيًا خالصًا فلا يضطرب المزاج ولا يطغي عنصر على عنصر. ولا نريد أن نسهب في هذه النقطة فسنفرد لها بحثًا خاصًا إن شاء الله
ولقد عابوا على الأدب العربي خلوه من القصص، على حين أنه يفهق بالقصص، وإنا لنكتب هذه الكلمة وبين أيدينا كتاب (مجمع الأمثال للميداني) ، وهو كتاب لو نسق على الطريقة الحديثة لكان من أروع كتب القصص في سائر اللغات. وحتىلو سلمنا جدلًا بخلو الأدب العربي من القصص، فإن ذلك إنما يكون طبيعة مزاجية فيه، لا نقصًا يحسب عليه،