وإن حقدت لم يبق في قلبها رضًا ... وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد
ولكن المتنبي صاحب هذه الآراء القاسية في المرأة والغرام لم يستطع أن يجرد شعره من الغزل فقد افتتح كثيرًا من قصائده بالغزل وتحدث عن الحب والنساء، وتظاهر بالهوى وشكوى النوى، وشارك العاشقين في بث الوجد وذكر الوصل والصد، حتى أنه أغرق في ذلك أحيانًا إغراقًا حاول فيه أن يتسمى بالعاشق كل العاشق:
وما أنا إلا عاشق كل عاشق ... أعق خليليه الصفيين لائمه
وأن يجعل عشقه فوق كل عشق:
وطرف إن سقى العشاق كأسًا ... بها نقص سقانيها دهاقا
وأن يكون شاعرًا غزلًا:
أحيا وأيسر ما عانيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفي وما عدلا
فهو يتحدث عن حب قاتل يعجب معه كيف يبقى حيًا، ويتحدث عن بين جار عليه فلم ينصف ضعفه. ولا يقتصر على هذا الحديث الإجمالي عن الحب بل يعود فيخاطب حبيبة بعينها فيتضرع لها تضرع الولهان:
بما بجفنيك من سحر صلى دنفًا ... يهوى الحياة وأما إن صددت فلا
ثم يسهب بوصف عواطفه الغامضة في عدة أبيات يصل بعدها إلى ما أراده من مدح أحد الناس وينتهي الأمر. وهكذا يبدو غزله بوجه عام، فهو إما أن يرتفع قليلًا عن هذا المستوى أو ينحط عنه قليلًا أو كثيرًا، ومهما ارتفع أو انحط فهو غزل لا طائل تحته، ولا عاطفة تذكيه ولا شعور يوريه ويسف أحيانًا كل الإسفاف فيقول:
أوه بديل من قولتي واها ... لمن تأت والبديل ذكراها
أوه لمن لا أرى محاسنها ... واصل واهًا وأوه مرآها
والمتنبي نفسه يعلن رأيه في هذا الغزل الفاشي في بعض قصائده ولا يحجم عن أن يقول إنه سير على سنن غيره من الشعراء، وأن طريقة الشعر قد اقتضت هذا، وأن افتتاح القصائد بالغزل ليس دليلًا على الحب والغرام:
إذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعرًا متيم
وكأن المتنبي صاحب الدعوة ضد الحب والمرأة قد خشي أن يؤخذ عليه غزله وأن يعتبر