كان تقدير المفكرين، وهؤلاء في كل العصور نفر من الخاصة، والأمر لم يكن يومًا لسوء الحظ بيدهم ليستطيعوا تحقيق نظرهم عملًا، فهم طلائع البشر ولكنهم ليسوا قادته الفعليين. ومع ذلك فقد كان في سبقهم إلى تقدير قيمة العمل البشري قيمته الحقة ما أيقظ ضمائر العمال؛ ولهذا عند ما ظل أصحاب رءوس الأموال متخلفين عن مسايرة العقلية الجديدة لم يلبث التصادم أن نشأ بينهم وبين عمالهم. ورأى العامل أنه لا يستطيع أن يقاوم بمفرده فتكونت النقابات، واجتمعت النقابات في اتحادات، واستعرت روح الطبقات واحتدم الكفاح بينها، حتى انتهى الأمر إلى الحركات الاشتراكية والشيوعية المعروفة، وحتى في البلاد التي حافظت على الملكية الفردية كحافز قوي للإنتاج لم تفلت لم نظمها الاقتصادية، من أن تتأثر بالكثير من المبادئ الاشتراكية بحيث يمكن القول بان الديمقراطية ذاتها قد أصبحت في جميع بقاع الأرض ديمقراطية اشتراكية، أو اجتماعية إذا أردت أن تتجنب اللفظ
هذا الجهاد الإنساني الطويل قد انتهى إلى الإقرار بقيمة العمل اليدوي والتسليم لطبقة العمال، وبخاصة في الصناعة، بالكثير من حقوقها، وهي لم تمنح تلك الحقوق بل أخذتها أخذًا، بحيث نستطيع أن نقول إن العمال في معظم بلاد أوربا كانوا قد وصلوا قبل الحرب الحاضرة إلى درجة محمودة من الرخاء لم يصل إليها المشتغلون بالأعمال العقلية. ولقد رأيت في فرنسا قبيل هذه الحرب العامل المتخصص يكسب ما لا يقل عن ثلاثين جنيهًا شهريًا، بينما ُيعطى القاضي الفرنسي ثمانية عشر جنيهًا. ولقد رأيت في جميع أنحاء أوربا أن الطبقة المهضومة لم تعد طبقة العمال، بل طبقة أولئك العقليين، فبينهم تفشت البطالة، وعن حقوقهم سكتت الهيئة الاجتماعية، وذلك لأن إنتاجهم غير ملموس النتائج، وأفرادهم لم ينظموا بعد في نقابات أو اتحادات. هنالك تجد الموظف تحت رحمة الحكومة، والصحفي مستذلا لصاحب الجريدة، والكاتب يتحكم فيه الناشر، والمتعلم يبحث عن عمل فلا يجده. وليس من شك في أن الإنسانية التي لا يمكن أن تفنى لابد ملتمسة علاجًا لهذه الحالة الصارخة. ولقد عدت إلى مصر فوجدت البلوى أعم: نقابة للصحفيين لم أر لتكوينها مثيلًا في العالم، فهي تضم العمال وأصحاب العمل، ومن الطبيعي أن يتحكم هؤلاء في أولئك. والوضع الطبيعي أن ينفصل كل في نقابته، وأن تتفاوض نقابة مع نقابة لا أن يجتمعوا سويًا كقطط وفيران في مصيدة واحدة. ورأيت أثرياء يخشون أن تطالبهم الحكومة بما يجب