العربي خاصة
ولدينا من كتب النقد الحديث طائفة صالحة جدًا من إنتاج أشبال الجامعة ورجالها الصناديد، ومن إنتاج كرام كتابنا الذين مهدوا لنا طريق نهضتنا، وحملوا المشاعل الأولى بين أيدي أدبنا الغض المفتقر إلى الإصلاح والتجديد. . . فهل قرأ شعراؤنا الشباب، أو معظم شعرائنا الشباب، شيئًا من تلك الكتب، وهل انتفعوا بها في تنظيم إنتاجهم الأدبي؟
إن الشاعر الذي يكتفي بمواهبه في توجيه منظوماته هو شاعر تعس، لا يرجى منه خير كثير. . . والشاعر الذي يبخل على نفسه بشراء عشرة كتب في النقد القديم والحديث هو شاعر فقير في تفكيره، مريض في إنتاجه، غاط في نومه الممتلئ بأحلام النوكي والضعفاء. . . تلك الأحلام المريضة التي لن يصيب منها الأدب العربي، ولن يصيب منها الشعر العربي إلا ما أصاب من الزخارف الباطلة التي سماها أصحابها شعرًا، وما هي من الشعر في شيء، لأنها عبث يغثي النفوس، ويكرب الأخيلة، ويزهد الإنسان في إنشاد الشعر
وليس تقصير شعرائنا الشباب، أو معظم شعرائنا الشباب في مطالعة كتب النقد هو كل ما نأخذه عليهم، بل يحزننا أن نقرر أن أكثرهم لا يقرءون من الشعر العربي إلا قدرًا ضئيلًا لا يُقوّم ألسنة، ولا يكسب ثروة، ولا يربي ملكة، ولا يطبع ذوقًا، ولا يمد القريحة بما تفتقر إليه ساعة النظم من شتى التعابير وفنون الأساليب. . . يبدو ذلك كله في استبعاد طائفة بعينها من التعابير، وطائفة بعينها من المعاني، وطائفة بعينها من الأخيلة لقرائح الكثرة الساحقة من شعراء الشباب. . . وذلك دليل جلي على فقرهم الثقافي، وندرة اضطلاعهم على الشعر العربي الزاخر بأكبر ثروة لفظية يمتلكها شعر أمة من الأمم. . . شعر عاش منذ أكثر من ألفي سنة، ولا يزال يعيش، وسوف يعيش؛ وإن كنا نطلب له عيشًا جديدًا وحياة ثائرة مختلفة الأغراض متغايرة المقاصد عما اعتاد الشعر القديم - وكل الشعر العربي أو معظمه، في رأينا قديم
وقد تشترك الفئتان، الذين يعرفون اللغات الأجنبية والذين لا يعرفونها، في ذلك العيب الواضح. . . أي عدم الاطلاع الطويل العميق على كتب النقد، قديمها وحديثها. . . وعلى دواوين الشعر العربي قديمها وحديثها كذلك. إلا أن تقصير شعرائنا، أو معظم شعرائنا، الذين يجيدون لغة أجنبية، في الاضطلاع على شعر تلك اللغة، واستيعاب ما نقل إليها من