هذا العالم. . . أو الوجود الكلي المطلق! وتحار الفلسفة بعد ذلك كيف يكون هذا العالم إلهًا. وكيف يكون هذا العالم بعجزه وبجره عاقلًا إن كان عاقلًا يا ترى؟! وكيف تم له هذا الإحكام البديع في كل شيء؟ في الأفلاك والسدم والضوء والحرارة والكهرباء والمغناطيس والغازات. والحياة المعقدة في الحيوان والنبات، وفي الحركة، وفي السكون. والمعقول عند الفلسفة أن يكون كل شيء خاضعًا لقوانين الجبر الصارمة، وإذا كان ذلك كذلك فما معنى أن يرسل الله - الذي هو الوجود الكلي المطلق - رسلًا ويتخذ أنبياء؟ هل تستطيع الرسل تبديل شيء أو تغييره؟ إن أمر الرسل إذن عبث في عبث. والرسل - أضل الله الفلسفة - كذابون أدعياء، أو على الأقل، رجال مخدوعون شُبّه لهم أنهم ينطقون بلسان الله، الذي هو الوجود المطلق الكلي!
هذا هو بعض الهذيان الذي تريد الفلسفة أن تدسه في روع المؤمنين من القراء البسطاء الذين يؤمنون بأن الله خلقهم، فتحاول الفلسفة إيهامهم أن العلم لا يسيغ هذا ولا يهضمه، وإن كان يسيغ الشكوك والوساوس ويهضمها!
أفليس ذلك شيئًا ظريفًا جديرًا بلفت أنظار القراء إليه؟!
وشيء ظريف آخر يُستملح (!) لفت الأنظار إليه. . . ذلك أن هؤلاء العلماء الأعلام يلحون على أذهان القراء بتذكيرها دائمًا أنهم علماء. فهل يقصدون من وراء ذلك شيئًا، غير أن مناظريهم في موضوع وحدة الوجود هم من الأميين الذين يُحكّمون في موضوع هام كهذا عواطفهم، ولا يحكمون عقولهم، إن كانت لهم عقول! وأن هؤلاء المناظرين قوم متدينون والتدين في هذا العصر شيء عتيق يثير الضحك ويدعو إلى السخرية. وأهل التدين في غالب أمرهم قوم شذاذ الإفهام لم يدرسوا فلسفة ولم ينشدوا علمًا. فكيف يا أيها القراء النجب تنخدعون بأقوالهم وتنساقون إلى الأخذ بآرائهم؟ إن خليقًا بكم ألا تصيخوا إلى كاتب يحسب نفسه واعظًا في مسجد أو راعيًا في كنيسة، ولا أقصد أن أغمز صديقي الدكتور زكي بإبراد عبارته تلك. . .
أفليس ذلك شيئًا ظريفًا من مناظرينا الأفاضل، أن يقفونا تلقاءهم ذلك الموقف المضحك الذي لن يجوز باطله على أحد!
يتحدثون عن حرية الفكر. فماذا أصابهم من ضروب التضييق يا ترى؟!