مرت عليه عائشة وصفوان قال: من هذه؟ قالوا: عائشة وصفوان. فقال: فجر بها ورب الكعبة. وفي رواية: ما برئت منه وما بريء منها. وصار يقول: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت. ثم أشاع ذلك في المدينة بعد دخولهم لها، وقيل إنه كان يُتَحَدَّثُ به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه، أي يستخرجه بالبحث عنه، ولكن الذي ثبت عليه الاشتراك في هذا الإفك أربعة: عبد الله بن أُبَيٍ، ومسْطَحُ بن أثاثة، وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين وعبيد الله بن جحش أخوها. وبعضهم زاد خامسًا هو زيد بن رفاعة. وبعضهم زاد سادسًا هو حسان بن ثابت
ولا شك أن هذا لا يعد قذفًا في حق عائشة رضي الله عنها، لأن دعوى الزنا تقرر أمرها قبل حديث الإفك بآية النساء: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا امسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا) ؛ فلا يثبت الزنا بعد هذه الآية إلا بأربعة من الشهود، ولا يجوز لشخص أن يرمي أحدًا بالزنا فيما دون ذلك ولو عاينه معاينة، فكيف بأمر عائشة وقد جرى على أسلوب لا يدل على شيء من الريبة، لأن الذي يقع في الريبة يحاول إخفاؤها، ولا يفعل ما فعل صفوان من الإتيان بعائشة على راحلته، وكان الذي يجب أن يقع لو كان هناك ريبة أن يأتي وحده ويتركها إلى أن يبعثوا في طلبها، أو يقيم قريبًا منها إذا خاف أن يتركها وحدها، بحيث لا يراها ولا تراه، ولا يراه أحد من الناس، حتى إذا عثروا عليها سار على عادته في طريق الجيش، وقطع على الناس طريق الكلام في أمرهما
وإذا لم يكن حد القذف قد نزل إلى ذاك الوقت، فإن ما حصل من عبد الله بن أُبَيِّ وإخوانه يستحق التعزير الشديد، لأنه قذف قبيح في حق سيدة شريفة لها منزلتها كزوجة نبي، وكابنة أكبر أصحابه وآثرهم عنده، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم تتوجه نفسه إلى إقامة التعزير عليهم في ذلك القذف، لأنه كان كثيرًا ما يغضي عما يحصل من أولئك المنافقين، ويؤثر في ذلك المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، لأن عبد الله ابن أبي كان من رؤساء الخَزْرَج، وكان الإسلام لا يزال غضًا طريًا لم يقتلع من النفوس كل آثار العصبية، وهذا إلى أن من الحكمة في مثل ذلك الإفك أن يقضى عليه بالإغضاء، وأن يترك أصحابه حتى يملوه من أنفسهم ويروا أنه لا قيمة لكلامهم