غير صحة فيميع ويسيل، لكان منها لهذا النشء مدرسة، الله وحده يعلم كم كانت تخرج لهذه الأمة من كتاب. وليست العبرة في الترجمة بنقل المعنى المجمل للقصة بل بنقل التفاصيل الفنية الدقيقة والصناعة الناعمة، وطريقة عرض الفكرة، وأسلوب تصوين المشهد، ولو أن المعنى المجمل هو المقصود للخصت قصة يوسف مثلًا في كلمات وضاع إعجاز السورة وجمالها الإلهي، ولكانت كل قصص الحب في الأدب متشابهة لا تخرج عن أن رجلًا أحب امرأة حبًا عاطفيًا أو جسميًا، فوصل إليها أو حيل بينه وبينها؛ فهذه أنواع أربعة للقصص الغرامية ينشأ منها أربع قصص فقط ويكون الباقي كله لغوا. مع أن في كل قصة جوًا خاصًا بها ودنيا لها وحدها، لا تغنى في المتعة الروحية بها قصة منها عن قصة، وما ذاك إلا لاختلاف الدقائق والتفاصيل، ولا يظهر هذه الدقائق والتفاصيل إلا قلم بليغ، بصير بمواقع الكلام، عارف بأوجه الدلالة في الألفاظ، له الحاسة الخفية التي يفاضل فيها بين الكلمات ويحسن انتقاءها، إذ رب كلمتين بمعنى، وبين إحداهما والأخرى مثل ما بين البلاغة والعي. ورب كلمة في لسان لها جو ولها مدلول، وتحيط بها ذكريات عند أهل ذلك اللسان، لا يمكن أن تجيء بها مرادفتها في اللسان الآخر، ومن هنا علت بعض النصوص كالقرآن مثلًا عن الترجمة واستحال أن تنقل إلى غير لغتها.
ونحن اليوم في أشبه العصور بعصر المنصور والمأمون، أمة كانت معتزلة منطوية على نفسها، ثم اتصلت بأمم غيرها لها مدنيات ولها علوم، فإذا استمرت على عزلتها علت عليها تلك الأمم بعملها وقويت، وإن تعلمت ألسنتها لتفهم علومها، أضاعت لسانها وعصبيتها: فلم يبق إلا أن تنقل كتب تلك الأمم إلى لسانها، فتزداد به غنى في الأفكار وفي طرق التعبير، ثم تفهمها وتسيغها وتهضمها كما يقولون ثم تنشئ مثلها إنشاء.
ونحن في الواقع لا نستغني عن الترجمة ولا نقل منها، ولكننا نسيء الاختيار فندع الكتاب العبقري الفذ الذي يعد واحدًا من مائة كتاب هي خلاصة آداب الأمم كلها ونترجم الكتاب لا فائدة فيه. ثم نسئ التعبير فلا ننقل هذه الكتب إلى العربية وإنما نضع في مكان ألفاظها الأعجمية ألفاظًا عربية، ولا يقدر على الترجمة الصحيحة إلا متمكن من اللغتين، بليغ في اللسانين، يقرأ الفقرة ثم يفهمها ثم يدعها تخالط روحه وتصير كأنها له، ثم يعبر عنها بلسانه، ويزينها بجمال بيانه.