وعلىدره الخفوق طوينا الليل ... في زورق رضى المسير
ورياح الخليج دافئة تثنى ... حواشي شراعه المنشور
والطريقة الثانية في الوصف يرينا فيها الشاعر تأثير الموصوف في نفسه، ويتخذ من مظاهر الطبيعةوسيلة لأخراج ما يكنهدره من عاطفة أو حب أو ذكرى. كقول مهيار:
يانسيم الريح من كاظمة ... شد ما هجت الجوى والبرحا
الصبا - ان كان لابد - الصبا ... إنها كانت لقلبي أروحا
وكقول علي محمود طه في قصيدة (عاشق الزهر) :
يا ليت لي كالفراش أجنحة ... أهفو بها في الفضاء هيمانًا
أروح للنور في مشارقه ... وأغتدي من سناه نشوانًا
وأرشف القطر من بواكره ... فلا أرود الضفاف ظمآنًا
والأمثلة على هذا ونحوه كثيرة جدًا لا حاجة إلى الزيادة منها. وقد كانت عناية القدماء بالنوع الأول اقل من عنايتهم بالثاني. وأما هاهنا فسيجد القارئ من النوعين قدرًا وافيًا. . ومن رأيي أن قصيدة الوصف يجب أن تشتمل على النوعين فيبدأ الشاعر بتصوير الظاهرة التي أمامه حتى يكادالقارئ أن يلمسها، ثم ينتقل إلى تأثيرها في نفسه وإلى ما توحي به من حكمة أو عاطفة، وهذا سر القوة الهائلة التي نجدها في قصيدة مثل سينية البحتري في إيوان كسرى.
الغموض
والآن فلأعد. إلى علي محمود طه. وهنا أريد أن أسر إلى القارئأن مطالعة هذا الشاعر هي أحيانًا عبارة عن لذة سهلة سائغة كما يجدها القارئ في قصيدة (عاشق الزهر) أو (قبلة) أو (غرفة الشاعر) . أو رثاء عدلي يكن. ولكنه أحيانًا، وفي بعض القصائد الخطيرة، سيجدها لذة لا تدرك بسهولة. بل لا بد لها من التأني والتدبر. أما الموسيقى فهي هناك لاشك فيها. لكن المعاني فيها بعض الخفاء.
وقد يرجع هذا الخفاء لازدحام المعاني المتعددة في البيت الواحد. انظر مثلًا إلى قوله في مطلع (الوحي الخالد)
لوجهك هذا الكون ياحسن كله ... وجوه بفيض البشر من قسماتها