فقنعنا بما في أيدينا من قليل لا يرضى به إلا ضعاف النفوس ضعيفو الهمم، فكان ذلك أكبر عامل في خلق هذا الأدب الزاهد القنوع، فأصبحت تسمع كثيرًا من مثل قول الشاعر:
نبغي من الدنيا الكثير وإنما ... بكفيك منها مثل زاد الراكب
وقوله:
أيها الباني قصورا طوالا ... أين تبغي؟ هل تريد السحابا؟
أأمنت الموت والموت يأبى ... بك والأيام إلا انقلابا
أبت الدنيا على كل حي ... نالها إلا أذى وعذابا
إنما داعي المنايا ينادي ... احملوا الزاد وشدوا الركابا
وقول الآخر:
مرحبا بالكفاف يأتي هنيئا ... وعلى المتعبات ذيل العفاء
ضلة لامرىء يشمر في الجم ... ع لعيش مشمر للفناء
دائبا يكنز القناطير للوا ... رث والعمر دائبًا في انقضاء
حبذا كثرة القناطير لو كا ... نت لرب الكنوز كنز بقاء
يحسب الحظ كله في يديه ... وهو منه على مدى الجوزاء
ليس في آجل النعيم له حظ ... وما ذاق عاجل النعماء
ذلك الخائب الشقي وإن كان ... يرى أنه من السعداء
حسب ذي إربة ورأى جلي ... نظرت عينه بلا غلواء
صحة الدين والجوارح والعر ... ض وإحراز مسكة الحوباء
تلك خير لعارف الخير مما ... يجمع الناس من فضول الثراء
إلي غير ذلك من أدب يحمل الدعوة إلى الزهد والقناعه، وإذا نحن أردنا أن ندرك آثار هذا الأدب فانه يجب علينا أن نتصور شعبًا نائمًا كسلًا، لا يجد ولا يعمل إلا بقدر ضئيل، وماله يجد وماله يعمل، وقد وجد ما يمسك حوباءهووجد قوته الضروري؟ وإني أكاد اعتقد أن تأخر الشرق في ميادين الاختراع وفي ميادين العمل يعود كثير منه إلى خلق الزهد وخلق القناعة الذي غرس في قلبه وأثر في كل عمله، بل إني أكاد أعتقد أيضًا أن استغلال الغرب للشرق يعود إلى هذا الخلق الوبيل الذي يجرنا إلى الفناء، فلندع القناعة بمعناها الذي ضرنا