بالنزق والطيش والجري وراء الخيال! لقد كنت تقول لي بلهجتك الساخرة الحبيبة: زهور؟ يالك من شاعر! ماذا من وراء الزهور يا حليف الخيال؟. . . ستذيل زهورك يومًا ما، وستمشي وحدك في جنازة العطر!! ومضيت في طريقي لا أكاد أصغي إلى سخرياتك فتحت المحل، وربحت الكثير من المال، وانتصرت بسلاح الخيال في أول معركة خضت غمارها ضد الخيال!. . ومع ذلك فإن كلماتك لا تزال ترن في أذني رنينها بالأمس، ترى أكنت تقرأ صفحة الغيب سطورًا خطتها لي وحدي يد الزمن؟ أم أنك يوم أطلقت جملتك تلك الساخرة كنت تنفذ بوعيك الباطن إلى ما وراء المجهول؟!. . لقد ذبلت زهوري يا صديقي، ومشيت وحدي في جنازة العطر، والأمل، والدنيا التي ذهبت إلى غير ميعاد!
أتذكر يوم كنت ترغبني في الزواج وتقود أفكاري إلى حواء؟ لقد كنت ألقاك دائمًا بجواب واحد هو أنني لم أجدها! إن الذين يعيشون في دنيا الواقع ترضيهم نفحات من الجمار المادي المنشود بالأرض، أما أنا فكنت أبحث عن جمال آخر جمال تربطه بالسماء خيوط إلهية غير منظورة! إن جمال الروح يا صديقي هو الذي كنت أبحث عنه، وحين يثبت من وجوده على أرض البشر رحت أنشده في سماء الوهم! لقد كنت ألتمس في الزهور شيئًا من العزاء. . . رائحتها، نظارتها، ألوانها البهيجة. . أليس في هذا كله بعض ما كنت أنشد من جمال الروح؟ هل تصدق أن هذا الخاطر هو الذي حملني على أن افتح محلًا لبيع الزهور أنسقه بذوق الشاعر وخيال الفنان؟!. . . بالله لا تدع الابتسامة ترف على شفتيك، فقد تستحيل في عينيك دموعًا!!
لعلك تستحثني على أن القصة، فاستمع أذن لقصتي:
كان أول لقاء بيني وبينها ذات صباح، حين هبطت من عربة التاكسي ودلفت إلى المحل تطلب باقة من الزهور. . . ولأول مرة رأيتني أترك مكاني، وأسبق أحد عمالي إلى لقائها، وأقدم لها بنفسي باقة من زهور البنفسج غلفتها - كما طلبت - بزهور البانسيه، ونظرت إلى الفتاة نظرة امتنان، وتمتمت بضع كلمات شكر. . . وخرجت!
كان مظهرها ينم عن حزن عميق، تجلى واضحًا في قسمات الوجه ونبرات الصوت. . . وخيل إلى أن هناك عزيزًا قد فقدته، وأن تلك الزهور قد أعدت لتوضع فوق القبر الذي لف أحلام شبابها بغلاف من الصمت الأبدي الرهيب، هناك حيث تقفز من كوى الفناء