أشباح وطيوف! أما جمالها فريدًا في نوعه. . . لم يكن جمالًا صارخًا يهز العيون حين تنظر إليه، ولكنه كان جمالًا هادئًا، وعبرًا، يهز الروح والعاطفة. . . كان أشبه بقطعة موسيقية حزينة يثرى لإيقاعها الفكر الحار والشعور الملتاع!. . . أما عيناها، فقد كان فيهما أكثر من معنى مبهم، لقد كان فيهما يا صديقي آثار رحلة طويلة إلى عالم مجهول. . وفي هذا اللقاء الأول رثيت للجمال يتشح في الربيع بوشاح الأسى والشجن! وتكرر بعد ذلك لقاؤنا في موعد لا يتغير. . . في الساعة العاشرة من صباح كل ثلاثاء، حين تهبط من عربة التاكسي، تلك الزائرة الحزينة لتطلب كعادتها باقة من زهور البنفسج أغلفها كعادتي بزهور ألبانسيه! وعلى مر الأيام نشأ بيننا نوع من الود البريء تحول معه الرثاء في قلبي إلى حب عميق. . . وجاء على يوم شعرت فيه بأن أحلامي الحيرى في خضم الحياة في متاهات الخيال السابح وراء الوهم قد وجدت ملاذها هنا. . . في هذا الوجه النبيل الذي شعت منه في روحي ومضات الأمل!!
سألت عن أسرتها فعلمت أنها من أكرم الأسر، وسألت عن قصتها فعلمت أن خطيبها الشاب قد ودع الحياة منذ شهور، وان هذا الأسى الدفين هو كل ما خلف لها من ثروة أثقلتها الأحزان. . . وفكرت في غير تردد بأن أتقدم لخطبتها لأملأ فراغ قلبها ودنياها وفراغ قلبي ودنياي، وخيل إلى أنني قد وجدتها. . . حواء، تلك التي قضيت العمر أبحث عنها في سماء الوهم حتى لقيتها أخيرًا على أرض البشر!
وفي رحاب الزوجة الحبيبة ذقت - لأول مرة - طعم الحياة. . . كانت قبل أن ألقاها أشبه لفكرة شريدة معذبة لم تجد دفء خاطر تأوي إليه! كانت لحنًا حائرًا لا معنى له. . . لحنًا نبذته شفتاي حين لم تستجب لأنغامه في حنايا الضلوع عاطفة! كان الوفاء والحب المتبادل هي كل معالم الطريق الذي سرنا فيه جنبًا إلى جنب، وقلبًا إلى قلب، وروحًا إلى روح. . . كنت أنسى كل متاعب الحياة حين تلقاني وعلى شفتيها ابتسامة مشرقة، وفي عينها بريق العودة من لقاء طويل، هيأته الأحلام تحت ظل وريف في واد من أودية السعادة!
ومضت بنا الحياة في طريقها تطوى الأيام حتى أقبل يوم لا أنساه. . . كان ذلك حين خرجت من البيت ذات صباح، ثم عدت إليه بعد ساعتين لأمر من الأمور فلم أجدها هناك! سألت عنها الخادمة الصغيرة فأنبأنني بأن سيدتها لن تعين لها المكان الذي ذهبت إليه.