نحو سمو فرد على الأنام، ليست قوية مضيئة، تلقي أشعتها على شعوره فتضيئه لنا، فإن تحول بعض دم الغزال إلى مسك ليس بظاهرة قريبة مألوفة، حتى تقرب إلى النفس ظاهرة تفوق الممدوح على الأنام، كما أن ظاهرة تحول الممدوح غير واضحة، ومدن ذلك كله يبدو أن الرابط هنا عقلي لا ننسى وجداني.
وليس من أغراضه ما ذكره الأقدمون أيضًا من الأستطراف، وفليس تشبيه فحم فيه جمر موقد ببحر من المسك موجة الذهب - تشبيهًا فنيًا على هذا المقياس الذي وضعناه، فإن بحر المسك ذو الموج الذهبي، ليس بهذا المصباح الوهاج الذي ينير الصورة ويهبها نورًا ووضوحًا.
ولما كان هدف التشبيه الإيضاح والتأثير أرى الأقدمون قد أخطئوا حينما عدوا البلوغ من التشبيه ما كان بعيدًا غريبًا نادرًا، ولذلك عدوا قوله:
وكأن أجرام النجوم لوامعًا ... درر نثرن على بساط أزرق
أفضل من قول ذي الرمة:
كحلاء في برج، صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب
(لأن الأول مما يندر وجوده دون الثاني فإن الناس أبدًا يرون في الصياغات فضة قد موهت بذهب ولا يكاد يتفق أن يوجد(رقد نثرن على بساط أزرق)
وذلك قلب للأوضاع، وبعد عن مجال التشبيه الفني الذي توضع فيه صورة قوية تبعث الحياة والقوة في صورة أخرى بجوارها، وبرغم أن التشبيهين السالفين حسيان أرى التشبيه الثاني أقوى وأرفع، ولست أرمي إلى أن يكون التشبيه مبتذلا، فان الابتذال لا يثير النفس، فيفقد التشبيه هدفه، ولكن أن يكون في قرب التشبيه ما يجعل الصورة موضحة مؤثرة كما سنرى.
ليس الحس وحده هو الذي يجمع بين المشبه به في القرآن، ولكنه الحس والنفس معًا، بل أن للنفس النصيب الأكبر والحظ الأوفى.
والقرآن حين يشبه محسوسًا بمحسوس يرمي أحيانًا إلى رسم الصورة كما تحس بها النفس، تجد كذلك في قوله سبحانه يصف سفينة نوح: (وهي تجري يهم في موج كالجبال) ألا ترى