(أواه يا سقراط! لتلك آخر مرة يتاح لك فيها أن تتحدث إلى أصدقائك أو يتحدثون إليك) فنظر سقراط إلىكريتون، وقال: (مُرْ أحدًا يا كريتون أن يذهب بها إلى الدار) فساقها بعض حاشيته صارخة لادمة، وما كادت تغيب عن النظر حتى انثنى سقراط، وكان جالسًا على سريره، وأخذ يربت على ساقه قائلًا: (ما أعجب هذا الشيء الذي يسمونه اللذة، وما أغرب صلته بالألم، الذي قد يظن أنه واللذة نقيضان، لأنهما لا يجتمعان معًا في إنسان، مع أنه لابد لمن يلتمس أحدهم أن يحمل معه الآخر؛ إنهما اثنان، ولكنهما ينبتان معًا من أصل واحد، أو يتفرعان من أرومة واحدة، ولست أجد سبيلًا إلى الشك في أنه لو رآهما أيزوب لأنشأ عنهما قصة، يُصور فيها الله وهو يحاول أن يوفق بينهما في الخصومة القائمة، فان لم بوفق، سد رأسيهما إلى بعض في وثاق واحد، وذلك عله أن يجيء الواحد في أعقاب أخيه، كما شاهدت في نفسي، إذ أحسست لذة في ساقي جاءت في أثر الألم الذي أحدثه القيد فيها
وهنا قال سيبيس: كم يسرني حقًا يا سقراط أن تذكر ايزوب، فقد ذكرني ذلك بمسألة طرحها بعض الناس واستجابني عنها افينوس الشاعر أمس الأول، ولا ريب في انه سيعود ثانية إلى السؤال، فحدثني بماذا أجيبه، إن كنت تحب أن يظفر بالجواب. أنه أراد أن يعرف لماذا، وأنت رهين السجن، ولم تكتب من قبل بيتًا واحدًا من الشعر، تنظم قصص أيزوب وتنشئ تلك الأنشودة إجلالًا لابولو
فأجاب أن حدثه يا سيبيس بأنني لم أفكر في منافسته ومنافسة أشعاره، وحق ما أقول، لأنني كنت أعلم أن لا قبل لي بذلك، إنما أردت أن أرى هل أستطيع أن أمحو وهمًا أحسسته عن بعض الرؤى، فلكم أشارت إلي هواتف الأحلام في أيام الحياة (بأنني سأنشئ الموسيقى) وقد كان يطوف بي هذا الحلم في صور متباينة، ولكنه لازم عبارة يعنيها ينطق بها أو بما يقرب منها دائمًا: أنشئ الموسيقى وتعهدها بالنماء - هكذا كانت تهتف الرؤيا، وقد خيل إلى منذ ذلك الحين أنها لم تُرد بذلك إلا أن تحفزني وتبعثني على دراسة الفلسفة التي كانت دوما قصد الرمي من حياتي، والتي هي أسمى جوانب الموسيقى وأرفعها شأنًا، فكما ترى النظارة في حلبة السباق يهيبون بالمتسابق المتحمس أن يجري مع أنه يجري فعلًا، كذلك كانت رؤياي تأمرني أن أؤدي ما كنت بالفعل قائمًا بأداءه، ولكني لم أكن على يقين من