العهد ويحفظون الذمار لرعى عهد النسب وحرمة القربى، ولرعي الصلة الوشيجة، والخاصة الوليجة. أليست زوجه جليلة وهي أختك؟ إن أعجب يا جساس فما أعجب إلا لصبر هذه اللكاع عليه، وسكوتها على بغيه، وهي زوجه أولى الناس بتقويمه إذا اعوج، وتليينه إذا صلب، وسياسته إذا شط؛ وهي أولى الناس بالمدافعة عن أخيها وعن خالتها، وما ادخر كليب وسعًا في النيل من أخيها ومن خالتها. لا أبغي يا جساس من قولي أن أنغل بينك وبين أختك ولا بينك وبين كليب. كلا. ولا أن أبذر شقاقًا بين جليلة وزوجها، ولكني أرى من كليب بغيًا واستهانة، وأرى منك ضعفًا واستكانة، وأرى من جليلة صمتًا للمذلة وصبرًا على الهوان. وكأني بك تقرها على صمتها وترضي عن صبرها. وأنت لا تقل عن كليب في طول النجاد، ورفعة العماد، على يفاعك وحدث سنك.)
قام جساس وقد استحصد، وغلى الدم في رأسه وركبه الشيطان، وأقسم ليقصمن ظهر كليب، ولينصرن عشيرته، ولينضحن عن بني شيبان. ثم احتواه الليل فبات يرعى النجوم، ويستعرض الهموم، حتى انبلج الصبح فإذا هو يسعى إلى البسوس يقص عليها ما جاش به صدره، وما استقر عليه عزمه. قال: (يا خالتاه. لقد قدحت الذهن حتى استعر، وعببت الرأي حتى اختمر، وشاورت النفس فطاب لها الحمام، وغمزت العزم فألفيته شديد العُرام، وأنا اليوم علي أن ألتمس كليبًا في غرة فأنتقم لبكر وبني شيبان، وأرفع عنهم المذلة والهوان.)
قالت: (وهل شاورت الحي فيما اعتزمت؟)
قال: (الرأي الخطير كالجمرة المستعرة كلما تادولتها الأيدي فترت حرتها وانطفأت جذوتها. وما يركن ذوو الرأي إلى المشورة إلا حين تعجز هممهم عن النفاذ، وتقعد عن النجاز، فيلتمسون لدى الناس رأيًا يتخذونه لقعودهم سببًا، ولعجزهم تعلّة، وأنا إن أصحرت بالتدبير فما آمن أن ينتهي إلى كليب فيعتصم ويتقي.)
وكانت البسوس قد استودعت سرًا. . .
وكان ما أفضى به جساس إلى البسوس حديث القوم في سامرهم وناديهم تتناقله يشكر وشيبان، وذهل وقيس، ووائل وبكر، وغير أولئك من القبائل والبطون والأفخاذ
وفي ضحوة من النهار اجتمع عند البسوس: همام بن مرة أخو جسّاس، والفِنْد الزماني سيد