وحدثتُ الحسنَ يومًا رؤياي وما شبه لي من عملي السيئ وعملي الصالح، فاستدْمَعَتْ عيناه:
وقال: إن البنتَ الطاهرةَ هي جهادُ أبيها وأمها في هذه الدنيا، كالجهاد في سبيل الله؛ وإنها فوزُ لهما في معركةٍ من الحياة، يكونان هما والصبر والايمان في ناحية منها قبيلًا، ويكون الشيطاُن والهمُّ والحزن في الجهة المُناوِحَةِ قبيلًا آخر
إن البنتَ هي أم ودار، وأبواها فيما يكابدان من إحسان تربيتها وتأديبها وحياطتها والصبر عليها واليقظة لها - كأنما يحملان الأحجارْ على ظهرَيهما حجرًا حجرًا، ليَبْتَنيا تلك الدار في يومٍ الى عشرين سنة أو أثر، ما صحبته وما بقيتْ في بيته.
فليس ينبغي أن ينظر الأبُ الى بنته إلا على أنها بنته، ثم أمٌ اولادها، ثم أمُ احفاده؛ فهي أكبرُ من نفسها، وحقها عليه أكبر من الحق، فيه حُمتها وحرمة الانسانية معًا؛ والأب في ذلك يُقرِض الله إحسانًا وحنانًا ورحمة، فحقٌ على الله أن يُوفيه من مثلها، وأن يُضعف له
والبت ترى نفسها في بيت أهلها - ضعيفةً كالمنقطعة وكالعالة، وليس لها إلا الله ورحمةُ أبويها؛ فان رحماها، واكرماها فوق الرحمة، وسراها فوق الكرامة، وقاما بحق تأديبها وتعليمها وتفقيهها في الدين، وحَفِظا نفسها طاهرة كريمةً مسرورةً مؤدَّبة - فقد وضعا بين يدي الله عملًا كاملًا من أعمالها الصالحة، كما وضعاه بين يدي الانسانية. فاذا صارا الى الله كان حقًا لهما أن يجدا في الآخرة يمينًا وشمالًا يذهبان بينهما إلى عفو الله وكرمه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان له ابنةُ فأدبها فأحسن تأديبها، وغَذَاها فأحسن غَذاءَها، وأسبغَ عليها من النعمة التي أسبغ الله عليه - كانت له مَيْمَنَةً ومَيَسرةً من النار إلى اجنة.)
فهذه ثلاثُ لابد منها معًا، ولا تُجْزِيءُ واحدةٌ عن واحدة في ثواب البنت: تربيةُ عقلها تربية احسان، وتربيةُ جسمها تربية إحسان وإلطاف، وتربيةُ روحها تربية إكرام وإلطاف وإحسان
قال الشيخ: والله أرحمُ ان تضيعَ عنده الرحمة؛ والله أكرم أن يضيع الإحسان عنده، والله أكبر. . .
وهنا صاح المؤذن: الله أكبر
فتبسم الشيخ وقام إلى الصلاة.