وقد زخر التاريخ الحديث بفيض من خير الأنباء غن زيارته، فأينما حل ان الاستقبال حافلًا، صادرًا من القلوب لا اثر فيه لرياء ولا مصانعة، وحسبك من قرة عين لمليك أن يرى أبنية شاهقة وطرقًا ممهدة وادارة مستقرة حازمة، تعاونت على تأسيسها وتمهيدها وإقرارها أباد من اقاليم الوجه البحري، وأخرى من الوجه السوداني، وثالثة من الوجه القبلي
ولعله رحمه الله أراد أن يختبر ذلك البناء المعنوي المدعم، ويشهد العالمين - وفي مقدمتهم قناصل الدول - حين أشاع عزمه على إخلاء السودان من بني الوجهين البحري والقبلي، فهب أبناء الوجه السوداني في ألم وحيرة يرجون ويلحون في أن يعدل عن فكرة تنافي طبيعة الوجود. فآمن بأساس ملكه وحصل على ما أراد من التجربة
وإني لأذكر في ألم ومرارة كيف أصبح مجلس النواب بالقاهرة خلوًا من أبناء السودان وقد كانوا زينة المجالس الأولى؛ فقد كان الوجه السوداني ممثلًا بعدد يوازي نواب الوجه القبلي
وفي عام 1911 أبان المرحوم (أبانا باشا) رئيس الجمعية الجغرافية في بحث له بالمؤتمر المصر أن مقارنة العظام التي عثر عليها في المقابر تثبت أن الذين يقطنون وادي النيل من عنصر واحد
ثم انظر بعد ذل تلق الوحدة في اللغة وتلقها في الدين وتجدها في العرف كما تجدها في العادات
ولكنك حين نبحث في القاهرة وهي قلب البلاد تأخذ قلبك حسرة لاذعة. فلست تجد فيها بين مظاهرها المختلفة مظهرًا واحدًا يدل على تل الوحدة الطبيعية ويشير إلى هذه الروابط الوثيقة
بين ظهرانينا نخبة من الشعراء، سجلوا كثيرًا من الحوادث ذات البال، حتى امتد فضلهم إلى شؤون تبعد عن مصر، وقد خلت دواوينهم من ذكر السودان وشؤونه، بل لم تنوه قصيدة بتلك التجربة التي قام بها المرحوم سعيد باشا، وفي عرفي انها وحيدة في التاريخ الحديث
أعرف أن المنظر والمعاشرة أكثر العوامل إيحاء. ولكن التاريخ ما يزال للكثير من الكتاب والشعراء مصدر وحي من أغزر المصادر بتناول الفريقان من كأسه دهاقًا من روعة