بنظام يقيد مصلحة الفرد في سبيل مصلحة المجموع. وجيد الثائر على أي نظام من نظم التربية على اعتبار أن التربية تقييد وتحديد قد أصبح يؤمن بالمثل العليا الشيوعية. وجيد الذي كان ألد عدو للعقيدة الثابتة قد أصبح إيمانه بالشيوعية تسليم منه بالنظريات الماركسية كنظرية (التفسير الاقتصادي للتاريخ) مثلًا. . . . وغيرها. على أن في الشيوعية أيضًا تتحقق معظم أفكار جيد وىماله، ففيها شرود نهائي من ماضيه الديني الذي أثقله زمانًا طويلًا، وفيها التخلص من عبودية نظام الأسرة الذي طالما حاربه وناضل في سبيل القضاء عليه، وفيها أمل جديد في الوصول الى ما يسميه جيد (مملكة الله) أي قتل الجوانب الخبيثة في الانسان بالتخلص من كل أنانية والتحرر من كل تفكير ذاتي، وهو يرى فيها أيضًا الشفقة الزائدة والتفكير الجدي في محو الشقاء الانساني
ولعل من العجيب أن أندريه جيد منذ أعلن إيمانه بالشيوعية لم يعمل أي عمل أدبي جديد، مقتصرًا على نشر المقالات المختلفة التي تدور كلها تقريبًا حول تبرير انقلابه الجديد، ولا نقول الاخير، فهل منا من يضمن أن جيد يستقر على حال؟!
لعل مظاهر التقلب والقلق الدائم وعدم الاستقرار الي صاحبت جيد عشرات السنين هي أعظم ما يرفعه (كانسان) لانها نتيجة تغلغل عاطفة الحرية في دمه الى حد قل أن يكون له نظير، فظل طول حياته (حديقة من التردد) - كما يسميه أكبر أتباعه الكاتب الفرنسي جاك ريفيير - لا يهدأ له بال. يدرس الحياة بنواحيها الفكرية والحسية، يسافر الى أقصى البلاد. كل ذلك لكي يصل الى الحقيقة المنشودة التي يسعى وراءها. وبرغم عبء ماضيه الديني الثقيل فقد استطاع ان يحطم أغلاله لينطلق باحثًا منقبًا
إننا حين نحكم على اندريه جيد يجب أن ننظر الى مجموع شخصيته، متغاضين عن تلك السبل الشاردة التي اختطفها في حياته الخاصة ودعوته العامة، وتعتبر في نظر ناقديه - مبالغة قصوى في تفسير معنى الحرية - لقد علمنا جيد كيف ننتصر على الخجل المقيت والرهبة البغيضة التي لا معنى لها، علمنا كيف نكشف دخائل نفوسنا ولا تتركها في الظلام الدامس لا نعرف كنهها كأن ليس لنا بها صلة، علمنا كيف نسلط عليها ضوءًا وهاجا نستمده من صميم إرادتنا وشجاعتنا، علمنا يف نصرح بكل ما يجيش في خفايا قلوبنا من النزعات الصارخة - علمنا كيف ومتى تمامًا حقيقة نفوسنا. . . ليس بالاستسلام لغرائزنا