ولهذا الكتاب في موضوعه، وفيما انتهج من طريقة أهمية فريدة، ذلك أنه ليس من تلك الكتب التي تتناول موضوع التربية من ناحيته الجافة، ناحية النظريات العلمية المجردة التي تهتم بالقضايا دون الوقائع، أو بعبارة اخرى تهتم بمبادئ العلم دون من تنطبق عليهم تلك المبادئ من الاطفال، فان تلك الكتب النظرية في منحاها محصورة الفائدة ثقيلة في الغالب تتطلب من القارئ صبرًا طويلًا، وجهدًا كثيرًا، لي يستخلص منها ما يرجو من فائدة، وإن كان ما يصيبه منها في النهاية معاقًا بقواعد العلم أكثر منه بغايته
وإنك لتستبين روح الكتاب من عنوانه، فمؤلفته تنكر النظم المدرسية التقليدية، وتعتقد أننا نضحي بأولادنا ونعاملهم كما لو كانوا أعداءنا بالقائهم في تل الأبنية التي هي أشبه بثكنات الجند، حيث يكتنفهم جو خانق بغيض من قوانين ونظم، يؤخذون بها أخذًا في كل صغيرة او كبيرة من حركاتهم، وحيث يجرعون من مواد الدراسة مالًا غنية فيه من معلومات يسأمونها وفنون من القول والعمل يساقون اليها في طرق عسكرية، توبق أرواحهم، وتطمس على قلوبهم وتغل نشاطهم، وتحول بينهم وبين الاستقلال الشخصي والنبوغ الذاتي
ولن تقف المؤلفة في كتابها موقف الهادم، بل إنها تسلك طريقة إيجابية، فتعرض على القارئ كثيرًا من التجارب العملية في بعض المدارس الحديثة بأمريكا ومبلغ نجاحها، وما أنتجه من أثر في تغيير وجهة التربية تغييرًا يمهد السبيل لناء هذا العلم من جديد على أسس عملية، تحل مشاكله وتضمن للطفل ما يرجى له من سعادة، وما يرجى منه للمجتمع
وتلك الروح العملية هي الميزة الفذة لهذا الكتاب التي سبق أن أسرت اليها، فهو خلاصة تجارب مربية متحمسة لمبدئها عاملة على إسعاد الطفل وإعداده لحياته خير إعداد. وهذه الميزة فضلًا عن عظيم فوائدها قد خلصت الكتاب من روح السأم وأنجته من الثقل، فأنت تطالعه في تشوق واستمتاع، وتقف منه على أمور كثيرة شيقة، كاستخدام مقاييس الذكاء واستكشاف الفرد، والسير وراء الطفل، وحالة بعض المدارس التجريبية، ومدارس العمل مع الدراسة واللعب، وتجارب بعض أساطين التربية في مختلف مراحل التعليم وسواها من المسائل العملية
والأستاذ المترجم بطويل خبرته، ونافذ بصيرته، وضلاعته في الانجليزية، كفيل بان يحفظ للكتاب روحه في لباسه العربي، وأنا وإن أقرأ الأصل، أحس من دقة الأداء ومن سهولة