ثم بدأ هذا القماش يصوب عدسته إلى كل شيء وجد، فنظر بها ألياف عضلات الحيتان، ونظر بها ما كشط من جلد نفيه. وذهب إلى القصاب يستجديه أو يشترمى منه عين ثور، وأخذها وامتحنها ونظر إلى عدستها البلورية الجميلة فراعه منها تركيبها البارع. وجاء بشعرات من صوف خروف فأخذ يحدق فيها ثم يحدق، وبأخرى من فرو كلاب الماء، وبثالثة من بعض الأوعال، وأخذ يحدق فيها ثم يحدق، فتراءت له هذه الخيوط الدقيقة الملساء تحت قطع زجاجه الصغيرة كفروع الشجر كبرًا وخشونة. وشرح رأس ذبابة، فحاذر وحاسب حتى أخرج منه مخها، وجمله على إبرة رفيعة، ونظر إليه بمكرسكوبه فأعجب بتفصيلات هذا المخ الكبير. واختبر قطاعات خشبية ليضع من أشجار مختلفة، وامتحن بذور النباتات، ونظر النظرة الأولى إلى فم البرغوث وإلى أرجل القملة فوجدها جميعًا كبيرة غاية في الكبر، مفصلة غاية في التفصيل، كاملة غاية في الكمال، فاتهم عينه أو كاد. كان (لوفن هوك) كالجرو يتشمم كل ما حوله فلا يميز الطيب من الخبيث، ولا يعوقه عائق من عرف أو أدب
وكان (لوفن هوك) رجلًا شكاكًا ملحا في شكه، ينظر إلى زباني النحلة أو إلى رجل القملة، ثم ينظر، ثم يكرر النظر حينًا بعد حين. ثم يترك كل هذا عالقًا إلى طرف منظاره ليصنع منظارات اخرى ليرى أشياء أخرى. ثم يعود إلى أشيائه الأولى ليتحقق مما كان رأى أولًا. فتجمع بذلك لديه مئات المكرسكوبات. ولم يكن يكتب عما يرى حرفًا، أو يرسم له رسمًا، حتى يؤكد بعد مئات النظرات أنه في الظروف الواحدة والملابسات الواحدة يبصر دائمًا أمورًا واحدة. وبعد كل هذا كانت لا تفوت الريبةُ قلبه: قال فيما قال عن هذا: (ينظر الناظر في المكروسكوب أول مرة فيقول رأى كذا، خداعٌ لا ينجو منه حتى النظار الحاذق. لقد انفقت على مشاهداتي زمنًا طويلًا لا يتسع له تصديق الكثيرين، ولكني انفقه في سرور ولذة، ووضعت إصبعي في أذني كلما سمعت الناس يقولون: ولم كل هذا التعب؟ وما العائدة من هذا النصب؟ فان هؤلاء قوم لا يفقهون، وأنا إنما أكتب لطلاب الفلسفة ورواد الحكمة. .)
وظل هكذا بعمل من غير راءٍ ولا سامع، من غير مادح مصفق أو مهلل مكبر، مدة بلغت