وأشقها على الكاتب: فالحوادث تتدرج في الصعوبة بحكمة، والجاذبية تتوزع في الأجزاء بدقة، والعمل يتسلسل بعضه من بعض في حدود الطبيعة سواء أكان منتزعًا من جوهر الموضوع أم من خلق الأشخاص. ولو شاء ربك أن يبعث الآن أرسططاليس فرأى كيف نسجت العقدة في أمثال بُلْيُكْتَ وألزِيرَ لملكه الدهش وأخذه العجب، ولاعترف أن هناك فنًا آخر أسمى وأبلغ من فن أوربيدس وسوفوكليس يدور العمل فيه على الأخلاق والعادات، لا على الضرورة والخرافات.
بقى الحل وهو الجزء الذي تنتهي به الرواية وتتحلل فيه العقدة بزوال الخطر أو قضاء الوطر أو تذليل العقبة أو حلول الكارثة. وبراعة الحل أن يدبر دون أن يظهر. فتدبيره يكون بوضع العمل على طريقة تجعل اللاحق ناتجًا عن السابق. فإن بين الحوادث المتوالدة والحوادث المتعاقبة بونًا بعيدًا كما قال ارسططاليس، وبذلك يكون الحل طبيعيًا منطقيًا متفقًا مع أخلاق الأشخاص وأعمالهم؛ وعدم ظهوره هو أن يكون فجائيًا ولا سيما إذا كان سارًا، لأن الجاذبية إنما تقوى بتعاقب الرجاء والخوف على قلب المشاهد، ولا مصدر لهذا التعاقب إلا الشك، فإذا علم من قبل أن الحل سيكون سارًا انتفى سبب الرجاء والخوف، وسكن بانتفائه محرك الجاذبية. حتى في الموضوعات المعروفة يجب أن يخفى الحل. وخفاؤه إنما يرجع إلى براعة الكاتب في سوقه العمل على وجه ينسى المشاهد ما يعلمه من قبل. وتلك هي قوة الوهم وعبقرية الفن، ولولاهما لما رأينا ذوي الحساسة من المشاهدين يبكون للمأساة الواحدة عشرين مرة.
إن معنى فجائية الحل هو انتقاله طفرة من حالة مبهمة إلى حالة واضحة. وتقريب ذلك أن حظ الأشخاص في سياق العمل أشبه بسفينة تناوشتها الأمواج واصطلحت عليها العواصف - وتلك هي العقدة - فأما أن تغرق وإما أن تبلغ الساحل - وذلك هو الحل -
ثم إن الحل قد ينتهي إما بالتعرف إذا تعقد العمل على أساس الجهل والتناكر، ثم تحلل بجلاء الموقف وتعارف الأشخاص؛ وإما بالانقلاب إذا حدث تغيير فجائي فقلب حال البطل من نعيم إلى بؤس أو من بؤس إلى نعيم، وفي الحالة الأولى يسمى الحل محزنًا وفي الحالة الأخرى يسمى سارًا. وكان أرسططاليس يفضل الحل المحزن ويقول بإبعاد الفضيلة المطلقة والرذيلة المطلقة من المسرح، ليكون لأشخاص الرواية نصيب من كلتيهما