ـ [أبو مالك العوضي] ــــــــ [16 - 08 - 2007, 03:05 م] ـ
فامتحن نفسك يا أبا رية في هذه المسألة، لم أكثر العرب من مشتقات ومصادر كذبَ دون صدقَ؟
[يستعمل الرافعي العامية أحيانا بهذه العبارة (فابقى عرفني رأيك فيها) ]
ولقد قرأت منذ أيام في السحاب الأحمر فإذا هو كتاب متين جدا ومن عادتي أني لا أعرف قيمة كتبي إلا بعد أن أنساها وأنسى نفسي فيها ولا أظن في كل الكتب العربية ما يساوي السحاب والرسائل في موضوعهما، فالحمد لله على فضله وكرمه وعلى إحسانه وتوفيقه.
أما احتواه واحتوى عليه فكلاهما صحيح، غير أن الأول حقيقة والثاني على المجاز .. وقد كنت
أما ما تقرأ فاقرأ كل شيء وهذه هي طريقة الجاحظ ولكن لا تترك كتب البلاغة العربية كالأغاني وكتب الجاحظ الخ فأنت في حاجة إلى الأسلوب إذ هو وحده الذي يظهر الكاتب وهو وحده الذي تتمثل فيه الشخصية.
كانت لي عادة أن لا أكتب في شهر رمضان، فلما خالفتها في السنة الماضية بكتابة (عاصفة القدر) ضاعت السنة كلها في مرض وكدر، وكانت الرواية أشأم ما كتبت بما جرت علي من الاضطراب فلا بد من السكون إلى آخر الشهر المبارك شهر القرآن والعبادة.
أريد أن أعلمك رأيي صريحا في مختارات الجاحظ [اختيار أبي رية]
أما رأيي فهو أولا - أنك لم تحسن الاختيار لأنك اقتضبت قطعا متفاوتة لا تجري على نسق واحد ثم اقتطفتها من أصولها ... وليس يخفى أن الجاحظ لا يورد الفصل إلا على أنه قطعة من موضوع، فمن الواجب عند الاختيار الابتداء من أصل الموضوع، وصارت مراجعة هذه المختارات تحتاج إلى معارضة كل قطعها على أصلها وهذا عمل شاق
ولكل ذلك لما قرأت الكراس الأول من هذه المختارات أيقنت أنه لا فائدة منها لأن الناس لا يطلبون الألفاظ لأنها ألفاظ بل لأنها تكسو معاني محبوبة عندهم مرغوبا فيها وفي قراءتها.
.ويمكنك أن تتأكلد هذا مما رأيته
.الذين يرغبون في أسلوب الجاحظ وخصوصا بعد ما بينت لك من عيب المختارات عدد محدود جدا قد لا يبلغون مائتين وهم خلاصة الأدباء المتعصبين للقديم.
ولقد جربنا الكتب وسوق الكتب وطبعها وتوزيعها، فاعلم أني نصحتك نصيحة خالصة ... إن توزيع الكتب يسير دائما ببطء، في هذه البلاد، وكان المنفلوطي يطبع من الكتاب 2000 نسخة فيتم توزيعها في أربع سنوات مع أنه يطبع أحسن طبع ومع شهرته العظيمة ومع إطناب الصحف في تقريظ كتبه.
وقد اقتنعت أني كنت مخطئا في أني لم أتخذ لي صحيفة للكتابة فيها فهذه هي الطريقة للجمهور ولا طريق غيرها.
لقد كانت المقالة الماضية صاعقة على لطفي السيد أظهرت خباياه ونواياه [كذا] وأبانت لهم أنه فيلسوف سوفسطائي
أما كتاب الجمهرة (جمهرة أشعار العرب) فلا ينفعك شيئا لأنه قصائد قديمة منها المعلقات كلها ومنها غيرها وأظنه 49 قصيدة وهو مطبوع قديما في المطبعة الأميرية، ولكن اشتر كتاب أناتول فرانس في مباذله فإن لغة شكيب في ترجمته موفقة في ألفاظها كأنه نثل له القاموس نثلا والكتاب فيما عدا أفكار الإلحاد محصول عقلي يفيدك جدا
أما الدستور الكتابي الذي طلبته فالقول فيه طويل ولكن خذ كتابا واحدا كالعقد الفريد لابن عبد ربه فاقرأه واحفظ كل ما تستحسن منه حفظا كحفظ القرآن لا تدع خبرا ولا كلاما ولا شعرا من كل ما ترى فيه جزالة وسبكا وطرافة ومعنى، فإنك لا تفرغ من ذلك ولا تنقل الكتاب إلى رأسك حتى تنقلب شيئا جديدا وقد علمت أن صاحب الصاعقة [أحمد فؤاد وكان كاتبا بليغا] يحفظ الكتاب كله وأنه به وحده صار كاتبا له ديباجته التي يتواصفونها، ولا تنس أن الغرض الأول هو الأسلوب ثم يأتي الغرض الآخر مما لا بد فيه من الدرس العلمي في كتب كثيرة فاجتهد في مادة الأسلوب فإنها هي المظهر وبها التمييز بين الكتاب وسر خطوة خطوة إذا أردت أن تقطع الطريق إلى آخرها واجعل شعارك هذه الكلمة وهي (( أن النبوغ صبر طويل ) )
وأنا بحسرة من كليلة ودمنة هذه فلو وفقني الله إلى إتمامها كتابا برأسه لكان حادثا في تاريخ العربية كلها ولو تعلم يا أبا رية ما يقول عن هذه الأمثال كبار أساتذة العربية في مصر ورجال العلم فيها لعلمت علما يقال له علم.
(يُتْبَعُ)