وبما قرَّرتُه في الاشتهارِ، سقطَ الاعتراضُ بأنَّ الخطَّابيَّ لَمْ يميِّزِ الحَسنَ مِنَ الصَّحِيحِ، ولا من الضَّعِيفِ.
(وَقَالَ) الحافِظُ أَبُو عِيسى مُحَمَّدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرَةَ (التِّرْمِذِيُّ) ... - بكسرِ التاءِ والميمِ عَلَى المشهورِ، وبالمُعجَمةِ -نسبةً إلى تِرْمِذَ مدينةٍ بطرفِ جَيْحُوْنَ نهرِ بَلْخَ [1] - في"العِللِ"التي في آخر جامعِهِ ما حَاصِلُهُ: الحسنُ عندنا: (ما سَلِمْ مِنَ الشُّذوذِ مَعَ راوٍ) أي: مَعَ أنَّ راويًا من رُواتِهِ (ما اتُّهِمْ بِكَذِبٍ) بأن لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَعمُّدُهُ [2] .
ولَمَّا شَمِلَ هَذَا مَا كَانَ بَعْضُ رواتهِ سَيِّيءَ الحِفظِ، أَوْ مستورًا، أَوْ مدلِّسًا بالعَنْعَنَةِ، أَوْ مخْتَلِطًا، شَرَطَ شَرْطًا آخرَ؛ فقالَ: (وَلَمْ يَكُنْ فَرْدًا وَرَدْ) ، بَلْ جَاءَ مِن وجهٍ آخرَ فأكثرَ، مِثْلَهُ، أَوْ فوقَهُ، بلفظِهِ، أَوْ بِمعناهُ؛ لِيتَرجَّحَ بِهِ أحدُ الاحتمالينِ.
لأنَّ سيِّيءَ الحفظِ -مثلًا- يُحتملُ أَنْ يكونَ ضَبَط مرويَّهُ، ويُحتملُ خلافُه. فإذا وَرَدَ مثلُ ما رَواهُ مِن وجهٍ آخرَ، غَلَبَ عَلَى الظنِّ أنَّه ضَبَطَ.
واعتُرِضَ عَلَيْهِ: بأنَّ مَا حدَّ بِهِ الحَسنَ، لَمْ يميِّزْهُ عَنْ الصَّحِيحِ، وَرَدَّه بأنَّه مَيَّزَهُ عَنْهُ، حيثُ شَرَطَ فِيهِ أن يُرْوَى مِن وجهٍ آخرَ، دُوْنَ الصَّحِيحِ [3] .
رُدَّ بأنّهُ لَمْ يَشترطْ [4] ذَلِكَ في كلِّ حَسَنٍ، بَلْ فيما قَالَ فِيهِ: حَسَنٌ فَقَطْ، وَهُوَ الحسنُ لغيرهِ، دُوْنَ ما قَالَ فِيهِ: (( حَسَنٌ صَحِيْحٌ ) )، أَوْ (( حسنٌ غريبٌ ) )، أَوْ (( حسنٌ صَحِيْحٌ غريبٌ ) )وَهُوَ الحسنُ لذاتِهِ [5] .
كَمَا أشارَ إلى ذَلِكَ بقولهِ: (قُلتُ: و) مَعَ شَرْطِهِ عَدَمَ التفرَّدِ بِهِ (قَدْ حَسَّنَ) في"جامعِهِ" (بَعضَ ما انْفَرَدْ) بِهِ راويهِ، حيث يَقُولُ عَقِبَ الحَدِيثِ: (( حَسَنٌ غَريبٌ،
(1) انظر: معجم البلدان 2/ 26.
(2) الجامع 6/ 251 (العلل)
(3) انظر مناقشات العلماء لتعريف التّرمذي للحديث الحسن في معرفة أنواع علم الحديث: 111، وشرح التبصرة والتذكرة 1/ 181 وما بعدها، ونكت الزّركشيّ 1/ 307، وتدريب الراوي1/ 158 وما بعدها، والمنهل الروي 53، وتوضيح الأفكار 1/ 160، والنكت لابن حجر 1/ 385 وما بعدها.
(4) في (ص) : (( يشرط ) ).
(5) انظر: النزهة: 94.