عنده"وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم""فصلت: 23"انظر كيف كذبوا على أنفسهم.
وهذا شيء نجده من نفوسنا أن المذنب إذا اعترف، وخضع رقيت له، وكرهت عقوبته، وتوبيخه بعد ذلك"قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وان كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم"والعكس بالعكس فافهم، وكان يقول: من ادعى له ملكًا دون سيده في شيء من الأمور فقد خان وافترى، وكان عليه فتنة، ومن اعترف بأن ما في يده لسيده جعله عاملا فيه فلا يستكثر عليه ما يكثر إلا جاهل وإنما الإنكار موضع الفتنة، والاستدراج على من زعم أن ما في يده له.
وتأمل قوله: صلى الله عليه وسلم:"أعطيت مفاتيح خزائن الأرض"فكان يعلم أن العبد كلما كثر ما في يده كثر فضله واتسع على غيره، وكثر فضل الله عليه فافهم فإضافة الأموال إلى العبد كإضافة الإقليم إلى العامل عليه والله أعلم، وقال في قوله تعالى:"لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم"أي لأنهم مع اعترافهم بأنه الله وصفوه بالنبوة لمريم، ولأنهم وصفوه بالله في الزمن القديم الذي ليس هو موصوفهم فيه فإن موصوفه بوصف الحق المبين من حيث وجهه المحمدي، ولا يسمى في كل زمن إلا موصوفه من الوجه الذي ظهر به منه سيما، وهذا الوجه المحيط بجميع الوجوه العينية الإلهية الفرقانية عيسى، وسواه ولأنهم وصفوه بالله، ولم يقوموا بمقتضى الإيمان بقوله:"ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد""الصف: 6"وقوله:"اعبدوا الله ربي وربكم"يعني الظاهر بوجه المحمدي فافهم، وأطال في ذلك، وكان يقول: لما كان الروح الخضري مشوبًا رحمانيًا رحيمًا من سريان سر الأحدية في دائرته، ومقامه بحسب مرتبته قال: لذي النسبة الربانية الإلهية في زمنه"إنك لن تستطيع معي صبرًا"الكهف: 67"كقوله: بلسان حقيقته"لن تراني"فإنه منه، لقاليه مأثم إلا هذا فافهم كيف يستطيع الصبر ذو مقام معلوم لا يعرف، ولا يألف سواه، وما ناسبه مع من لا مقام له فهو كل آن في شأن ألا ترى أن الذي لا يعهد له في النفس روعة فإذا ألف، واعتيد زالت فافهم، وكان يقول: ما دامت الملوك مطيعة للأولياء الذين هم العلماء بالحق، وأمرهم بينهم نافذ قائم فأمرهم فالح ونظامهم صالح، ونورهم واضح، ومتى انعكس الأمر انتكسوا لأن الأولياء هم ورثة الأنبياء على التحقيق، وأما حملة العلم المولدون للمسائل على وفق الأغراض، واتباع الأهواء فليسوا من هذا الأمر في شيء وإنما هم كما وصف الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، فالصواب الانتفاع بمحمولهم من غير تحكيم لهم، ولا رجوع لرأيهم، ولا تمكين لهم من تصرف إذ الحمار للحمل وللانتفاع لا لأن يحكم أو يسمع له، أو يطاع فافهم."
قلت: ولعل مراد الشيخ قومًا ينتصرون لأهوائهم بالباطل كالواضعين للحديث ترويجًا لبدعهم وليس المراد بهم هؤلاء العلماء الذين نصبهم الله تعالى لإقامة الشريعة والله أعلم، وكان يقول: أئمة الهدى في الحقيقة أرواح مقدسون يتحولون في بشرياتهم فمن نظر إلى ظاهرهم تحير، ومن نظر إلى نور بواطنهم تبصر، والله أعلم.
وكان يقول: ورثة النبي صلى الله عليه وسلم في كل زمان هم أنوار أزمنتهم سراجيتهم المقتبسة بالتخصيص لهم من سراجية المشار إليه بقوله:"وسراجًا منيرًا"فما داموا ناطقين ظاهرين فالنور ظاهر شائع، والأبصار مدركة، والفرق واضح بين المفاسد، والمصالح، ومتى سكتوا عن بيان الحق تلفوا، وتحيروا واختلفوا فلا تقابل سراج زمانك بالأهواء، وارع له حقه تدم لك الأضواء فافهم، وكان يقول: من شرط إمام الهدى أن يهاجر بهمته عما تشتهي الأنفس البشرية ألا ترى إلى آدم عليه السلام ما أعطى الخلافة إلا لما هاجر من الجنة، وما فيها من شهوات النفوس إلى الأرض وهكذا كل من أريد لحق فإنه لا يقوم به حتى يخرج، ويهاجر بهمته عما يشغل عنه"فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله""النساء: 89"فافهم وكان يقول: إذا قال الجمهور عن عارف لم لا يظهر معارفه العزيز الإلهية إلا في مقام خاص بين قوم خاصين، ولم لا يظهرها للناس، ويتكلم بها على الجمهور إن كانت حقًا كما يزعم فقل لهم افهموا هذا المثال الدنيا غابة، والنفوس المحجوبة عن حقائق الحق المبين فيها سباع، ووحوش كواسر، وصاحب القلب السليم أو السميع الشهيد بينهم كإنسان دخل ليلا في تلك الغابة، وهو حسن الكلام، والقراءة، والصوت.
فلما أحس بما فيها من السباع، والوحوش آوى إلى شجرة يختفي فيها منهم، ولم يجهر بالقرآن يتغنى به هناك حذرًا منهم فهل يدل اختفاؤه عنهم على أنه حكيم أو على أنه غير إنسان لا والله لأنه لو تراءى