فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 334

بوهم الخيال، وكان قول: شهود حضرة الحق بحسب الحاضر لا بحسب الحضرة لأن الحقائق الربانية لا تدركها الإنسانية من جميع وجوهها، فافهم تعلم أن تلون حقائق التجريد في مقامات التوحيد بحسب الرائي لا بحسب المرئي في جميع أطوار التجليات مما يقال، ومما لا يقال، وكان يقول: احذروا زخارف أهل الرضا عن النفس خصوصًا الذين اتخذوا العلم حرفة، وشبكة لصيد حرام الدنيا مع تكبرهم على الناس فإنهم قد حرموا خيري الدنيا والآخرة ولهم نعوت مصوتة، وأحوال مزريه لم تبق لهم بين الناس حرمة، ولا قبول شفاعة. اتخذوا حسن الزي شعارًا، وتكبروا بذلك استكبارًا، وقد قال: الشيخ تاج الدين رحمه الله تعالى في الحكم لأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالمًا يرضى عن نفسه فافهم، ومما جربناه فصح أنه من أراد قضاء حوائجه، ودفع مصائبه، فليرفع الأمر إلى الله تعالى قبل أن يعلم بها الناس هكذا عادة الله تعالى مع من يتعلق به أول مرة، فاعمل على ذلك فإنه الكبريت الأحمر، والفرج القريب، والمعين على ذلك الصبر.

وكان يقول: بلغنا أن يونس عليه السلام اجتمعت روحه بروح قارون لما التقمه الحوت فرأى قارون نازلا، فقال: ليونس عليه السلام تعلق بربك يا يونس في أول أمرك ينجيك، فقال: له يونس، وأنت قال تعلقت بابن الخالة موسى، فوكلني إليه ولهذا كما قيل عاتب الله موسى عليه السلام، وقال، وعزتي، وجلالي لو استغاث بي لأغثته، وكان يقول: أحسن الظن بربك من حيث محبة جماله، وجلاله، فإن ذلك. وصف له لا يتحول، ولا تحسن الظن بربك لأجل إحسانه إليك فربما قطع ذلك عنك فتسيء الظن به، فليحذر السالك من علة هذا المقام وكان يقول غاية رحلة السائرين بالأشباح السير إلى الله وبداية رحلة السائرين بالأرواح في الله أي في التنزه في عجائب قدرته فافهم، فالأولون ينتهي سيرهم، والآخرون لا ينتهي لهم سير، وقد قيل مرة للشيخ أبي الفتح الواسطي رضي الله عنه ما تقول: في جماعة من أئمة الزهاد، ومن صدور هذه الأمة فلان، وفلان وفلان، فقال أولئك قوم خرجوا عن شهواتهم الدنيوية لأجل شهواتهم الأخروية، فأين الفناء في الله والبقاء به.

ولما سمع الشبلي رضي الله عنه قوله:"منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة"صاح صيحة عظيمة، وقال فأين الذين يريدون الله تعالى. وكان يقول: في قوله تعالى:"كلوا واشربوا""البقرة: 60"وإن كان ظاهره إنعامًا فباطنه انتقام، وابتلاء، واختبار لينظر تعالى من هو معه، ومن هو مع حظ نفسه فافهم دقائق أحكام الباطن، ولا تغتر برخص الظاهر تكن من أهل الفهم عنه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا لم تجد أيها المريد صاحب الحال فعليك بصاحب القال:"فإن لم يصبها وابل فطل""البقرة: 265"وإياك، وصحبة من لا قال له ولا حال، وكان يقول: يجب على الفقير إذا آخى في الله تعالى أن يشاطر أخاه في ماله كما فعلت الأنصار مع المهاجرين حين قدموا عليهم المدينة، وهم فقراء فكل من ادعى الأخوة في الله فامتحنه بهذه الميزان، وكان يقول: أخوك حقيقة من وافقك في الذوق، ومدد الإفهام لا من شاركك في معنى صورة النطفة في الأرحام، وكان يقول: ما رقي أحد إلى مركز عال إلا قلت أشكاله المعنوية، وجلت نفائس دقائقه على غالب الإفهام، وهذا موجب قلة الأتباع، والأصحاب لكمل العارفين، وكان يقول: الأدب أن يقول: العبد فلان من أصحابي إلا إن كان دونه بدرجات، فإن كان مساويه أو فوقه فليقل أنا خادمه أو مريده هكذا درج السلف، وكان يقول: ينبغي لمن خدم كبيرًا كاملا ثم فقده أن لا يخدم من دونه إلا إذا كان أكمل منه، وإلا جعل صحبته مع الله تعالى، وكان يقول: ما ثقل على الأشياخ خدمة أحد من الفقراء لهم إلا لعلة في قلب الخادم كتمها عنهم، وهذه علة لا يسلم منها إلا من أتى الله بقلب سليم، ولو أن الخادم كان أظهر لهم تلك العلة لربما وصفوا له دواءها أو شفعوا له فمحاها الله تعالى عنه من اللوح أو سألوا النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة فيه فيشفع إلا إذا كان قضاء مبرمًا لا مرد له، وقد رأى السيد عبد القادر الجيلي لمريده أنه لا بد له أن يزني بامرأة سبعين مرة، فقال: يا رب اجعلها في النوم، فكان كذلك.

وكان رضي الله عنه يقول: مما اخترته من أدب المصاحبة، والمجالسة أنك إذا جالست أهل الدنيا، فحاضرهم برفع الهمة عما بأيديهم مع تعظيم الآخرة، وإذا جالست أهل الآخرة، فحاضرهم بوعظ الكتاب، وآداب السنة، وتعظيم دار البقاء، وإذا جالست الملوك، فحاضرهم بسيرة أهل العدل، وسياسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت