فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 334

قبل أن يأتي، ويقول كل خطوة يمشيها الناس إلى الفقير تنقصه من مقامه درجة فقيل له فكيف تذهب أنت إليهم فقال: أنا أذهب، وأسأل الله تعالى: لهم أن لا ينقص درجتهم فإن أجري على الله تعالى لا عليهم، وكان رضي الله عنه أولا طوافًا يبيع الصابون، والجميز، والعجوة، وكل ما وجد ثم فتح دكان زياتة سين عديدة ثم صار يضفر الخوص إلى أن مات، وكان لا يأكل شيئًا من طعام الظلمة، وأعوانهم، ولا يتصرف في شيء من دراهمهم في مصالح نفسه أو عياله إنما يضعه عنده للنساء الأرامل، والشيوخ، والعميان، والعاجزين عن الكسب، ومن ارتكبتهم الديون فيعطيهم من ذلك ما قسم، وورمت عيناه مرة، ورمًا شديدًا، وهو يضفر الخوص فأتاه شخص من أصحابنا بدراهم، وقال يا سيدي أنفقها، واسترح حتى تطيب عيناك فردها، وقال: والله أنا في هذا الحال، ولا تطيب نفسي بكسب نفسي فكيف بكسب غيري.

وكان رضي الله عنه يعامل الخلق على حسب ما في قلوبهم لا على حسب ما في، وجوههم.

ومر عليه مرة شخص من الفقراء، والنور يخفق من وجهه فنظر إليه الشيخ فقال: اللهم اكفنا السوء إن الله إذا أراد بعبد خيرًا جعل نوره في قلبه وظاهر جسده كآحاد الناس، وإذا أراد به سوءًا أظهر ما في قلبه على وجهه وجعل قلبه مظلمًا، وكان رضي الله عنه يكنس المساجد، وينظف بيوت الأخلية، ويحمل الكناسة تارة، ويخرجها إلى الكوم احتسابًا لوجه الله تعالى كل يوم جمعة، وكان يكنس المقياس في كل سنة ثاني يوم نزول النقطة، وينفق على أصحابه ذلك اليوم نفقة عظيمة يقبض من عبه الدراهم، ويعطيها كل من رآه من المستحقين، ويزن عنهم كراء المعدية، وهم نحو مائة نفس ثم يفرق السكر، والخشكنان على أهل المقياس، وجيرانه ثم ينزل فيكشف رأسه، ويتوضأ من المقياس، ويصير يبكي، ويتضرع ويرتعد كالقصبة في الريح ثم يطلع يصلي ركعتين، ويأمر كل واحد من أصحابه أن ينزل ثم يكنس السلم بمشط من حديد، ويخرج الطين الذي فيه بنفسه لا يمكن أحدًا يساعده فيه. وكان يقال إن خدمة النيل كانت عليه، وأمر طلوع النيل، ونزوله ورى البلاد، وختام الزرع كل ذلك كان بتوجهه فيه إلى الله تعالى، وكان أولياء عصره تقر له بذلك. ولما دخل ابن عثمان مصر أرسل له فقيرًا ينظركم معه من أصحاب النوبة فذهب، ورجع فقال معه سبعة فقال، والله مغفر يرجع إلى بلاده سالمًا، وكان سيدي محمد بن عنان رضي الله عنه إذا جاءه أهل الحوائج الشديدة كشخص رسم السلطان بشنقه أو مسكه الوالي بزغل أو حرام أو نحو ذلك يرسل صاحب الحاجة للشيخ علي رضي الله عنه، ويقول نحن ما معنا تصريف في هذا البلد فتقضي الحاجة. وجاءته امرأة مرة، وأنا قاعد فقالت يا سيدي نزلوا بولدي يشنفونه على قنطرة الحاجب فقال اذهبوا بسرعة للشيخ علي البرلسي رضي الله عنه فذهبت إليه أمه فقال: روحي معه، وإن شاء الله تعالى يلحقه القاصد من السلطان قبل الشنق فهو طالع قنطرة الحاجب للشنق، وإذا بالشفاعة جاءت فأطلق، ورأى الشيخ محمد بن عنان رضي الله عنه ليلة بلاء عظيمًا نازلا على مصر فأرسل للشيخ علي فقال الله لا يبشره بخير، ولكن توافى البركة فجاء جان بلاط المؤتمر محتسب مصر فأخذ الشيخ عليًا من الدكان، وضربه مقارع، وخزمه في كتفه، وأنفه، ودار به مصر وبولاق فلما صلى الشيخ محمد رضي الله عنه الظهر، ورأى البلاء ارتفع قال روحوا انظروا أيش جرى للشيخ علي فراحوا فوجدوه على تلك الحال فردوا على الشيخ محمد رضي الله عنه الخبر فقال الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يتحمل عنها البلايا، والمحن ثم خر ساجدًا لله عز وجل، وكان إذا وقع نوء أيام زهر الفواكه لا ينام تلك الليلة، وهو يتضرع، ويبكي، ويسأل الله تعالى في رفعه، وكان رضي الله عنه يملأ أوعية الكلاب دائمًا في حاراته، وغيرها، وكان لا يراه أحد قط يصلي الظهر في جماعة، ولا غيرها بل كان يرد باب حانوته، وقت الأذان فيغيب ساعة ثم يخرج فصادفوه في الجامع الأبيض برملة لد في صلاة الظهر، وأخبر الخادم أنه دائمًا يصلي الظهر عندهم، وكانت مدة صحبتي له عشر سنين فكأنها كانت ساعة، وله كلام نفيس رقمنا غالبه في كتابنا المسمى بالجواهر، والدرر كل جواب منه يعجز عنه فحول العلماء حتى تعجب من كتب عليه من العلماء كسيدي الشيخ شهاب الدين الفتوحي الحنبلي رضي الله عنه، وسيدي الشيخ شهاب الدين بن الشلبي الحنفي رضي الله عنه، وسيدي الشيخ ناصر الدين اللقاني المالكي رضي الله عنه، والشيخ شهاب الدين الرملي الشافعي رضي الله عنه، وغيرهم وقال الشيخ شهاب الدين الفتوحي رضي الله عنه لي سبعون سنة أخدم العلم فما أظن قط أنه خطر على بالي لا السؤال، ولا الجواب من هذا الكتاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت