من سجن السلطان فسألتا لله تعالى في الأسحار فجاءني سيدي الشيخ أبو الفضل، وقال لي ضحكت الليلة عليك في دعائك لابن أبي أصبغ بالخلاص من السجن، وقد بقي له من المدة خمسة شهور، وسبعة أيام كنت شاطر مصر لم تقدر على إخراجه حتى تنقضي هذه المدة. قال ورأيت دعاءك، وهو يصعد إلى السماء نحو قامة، ويرجع إليك وربما كان يأتيني فيخبرني بجميع ما وقع لي في الليل، وكان من شأنه تحمل هموم الناس حتى صار ليس عليه أوقية لحم، وكان رضي الله عنه يقول لي منذ سنين، وأنا أحس بلحمي كأنه في صحن نحاس على النار يطشطش، وكان من شأنه التقشف في المكل، والملبس، وخدمته جميع إخوانه، وكنا إذا خرجنا لمثل أهرام الجيزة أو غيرها من التنزهات يحمل نعال الجماعة كلهم في خرج على عنقه، ومن أبي أقسم عليه بالله تعالى حتى يمكنه من حمل نعله، وشكوت له مرة مرضًا نزل بي فقال: والله العظيم لي منذ عشر سنين، وأنا أحس أنني في صحن نحاس على النار من غير ماء يطشطش فيه فحط مرضك بجنب هذا تجده، ولاش.
وكان رضي الله عنه لا ينام من الليل إلا نحو عشر درج صيفًا، وشتاء، وكان رضي الله عنه من أعظم الناس تعظيمًا للمساجد لم يتجرأ قط أن يدخل مسجدًا إلا تبعا لغيره فكان يمكث واقفًا على باب المسجد حتى إذا دخل أحد دخل في ذراه، ويقول: مثلنا لا ينبغي له أن يدخل المساجد إلا تبعًا لعامة المسلمين لعجزنا عن القيام بآدابها، ورأيت مرة في ثوبه أثرًا فقلت له دعني أغسله لك فقال: أنت ما تعرف حالي، والله إني لأستحي من لبس الثوب النظيف على ذاتي هذه القذرة، وكان رضي الله عنه يقول أعطاني الله تعالى أن لا أنظر قط إلى شيء من الحبوب نظرة واحدة، ويسوس أو يتلف أبدًا، وجربنا ذلك في مخزن القمح الذي كان يسوس عندنا.
وكان رضي الله عنه يعرف أصحاب النوبة في سائر أقطار الأرض، ويعرف من تولى ذلك اليوم منهم، ومن عزل، وكان لونه أصفر نحيفًا لا تكاد تجد عليه أوقية لحم. وحج رضي الله عنه مرات على التجريد فلما كان آخر حجة كان ضعيفًا فقلت له في هذه الحالة تسافر فقال لترابي فإن نطفتي مرغوها في تربة الشهداء ببدر فكان كما قال فمرض مرضًا شديدًا قبل بدر بيومين ثم توفي، ودفن ببدر كما قال، وذلك في سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة فلما حججت سنة سبع، وأربعين مضيت إلى قبره فقلت له أقسم عليك بالله إلا ما نطقت لي من القبر، وعرفتني بقبرك فناداني تعال فإني ها هنا فعرفت قبره بتعريفه لي رضي الله عنه، ومدحت له مرة بعض الفقراء فقال أجمعني عليه فدخلنا فوجدناه في الخلوة فقال له سيدي أفضل الدين رحمه الله تعالى يا هو بهمة فتخبط ذلك الفقير من صياحه عليه حتى كاد يذهل فقال سيدي أفضل الدين رضي الله عنه وعزة ربي لولا الشفقة عليه لشققت قلبه بالصوت ثم قال لي هذا يكل مهما وجد لا يتورع فهذا الذي تركه يتخبط كما قال الله تعالى:"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس""البقرة: 275"، فذاكره مذاكرة في حقائق اليقين ودقق عليه الكلام حتى قال له ذلك الفقير تنزل لنا في العبارة، والمقام ثم رأى عنده رجلًا مختليًا وصوته ضعيف في الذكر فقال له أخرج هذا الفقير، وأطعمه وإلا مات، ودخل النار فقال الفقير هذا من شرط الخلوة فقال له سيدي أفضل الدين رضي الله عنه: وماذا يطلب بالخلوة هذه فإن العبد إذا كان وليًا لله فلا يحتاج إلى هذا العلاج وإن كان غير ولي لله فلا يصير وليًا بالعلاج وشجرة السنط لا تكون تفاحًا بالعلاج فأخذ سيدي أبو الفضل رغيفًا. وقال اسمع مني واخرج، وما وعدك الله به يحصل إن شاء الله تعالى فلم يخرج فقال الله يبتليك بالموت فمات بعد يوم وليلة، وكان رضي الله عنه يقول بواطن هذه الخلائق كالبلور الصافي أرى ما في بواطنهم كما أرى ما ظواهرهم، وكان إذا انحرف من إنسان يذوب ذلك الإنسان، ولا يفلح في شيء من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة، وكان رضي الله عنه يعرف من أنف الإنسان جميع ما يفعله في داره ويقول هذا ما هو باختياري، وسألت الله تعالى الحجاب فلم يحجبني؛ والله تعالى في ذلك حكم، وأسرار وكان له كلام عال في الطريق، والمقامات، وأحوال الكمل، وكان يقول من وراثي إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. ومن كلامه رضي الله عنه: اعلم يا أخي المراد من الإيجاد الإلهي الإنسان، والتكوين الطبيعي الناري ليس إلا معرفه الربوب وأوصافها، والعبودية، وأخلاقها فأما أوصاف الربوبية فكيفيك يا أخي منها ما وصل إليك علمه إلهامًا، وتقليدًا بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير تشبيه، ولا تعطيل، وأما أخلاق العبودبة فهي مقابلة الأوصاف الربوبية على السواء فكل صفة استحقتها الألوهية طلبت العبودية حقها من مقابلة ذلك