لا يرضى أن يسكن بجواركم، وأنتم على هذا الحال فكيف يسكن الله تعالى قلوبكم يا داود طهر لي بيتًا أسكنه. وكان رضي الله عنه يقول عليكم بإخراج كل علقت به نفوسكم ولم تسمح بإظهاره من علم أو حال أو غيرهما، ولا تتركوا النصح لإخوانكم، ولو ذموكم لأجل ذلك، وكان رضي الله عنه يقول عليكم بإصلاح الطعمة استطعتم فإنها أساسكم الذي يتم لكم به بناء دينكم، وجميع أعمالكم الصالحة فإن كنتم متجردين عن الأسباب فاقبلوا كل ما أرسله الحق تعالى إليكم من غير سؤال ما عدا الذهب والفضة، والثياب الفاخرة فإذا بلغ أحدكم مبلغ الرجال عرف كل لقمة من أين جاءت وعرف من يستحق أكلها كالبناء يعرف مكان كل طوبة يضعها، وكان رضي الله عنه يقول إذا غضب شيخك على أحد فعليك أن تجتنبه فإن علمت أن غضب شيخك لغير الله فأمسك عن الاجتناب كأحوال المشايخ القاصرين الآن.
وكان رضي الله عنه يقول إذا فاجأك في حال الذكر شيء من حال أو غيره فلا تدفعه عن نفسك، ولا تستجلب ذلك بجميع باطنك، وتفعلك فإن ذلك سوء أدب، وكان رضي الله عنه يقول لا تأنفوا من التعلم ممن خصه الله تعالى من فضله كائنًا من كان لا سيما أهل الحرف النافعة فإن عندهم من الأدب ما لا يوجد عند خصوص الناس، وكان يقول إياكم أن تظهر، والكم حالًا أو وصفًا دون أن يتولى الله ذلك من غير اختياركم، وكان رضي الله عنه يقول احذروا من قربه تعالى لكم أن يفتنكم بالقرب مع أنه لا خصوصية، لكم فيه، وإذا علم أحدكم ما هو عليه من القرب فهو بعيد من القرب فإن حقيقة القرب الغيبية بالقرب عن القرب حتى لا تشهد حالك في القرب إلا بعد، ولا في العلم إلا جهلًا ولا في التواضع إلا كبر فإن شهود القرب يمنع العلم بالقرب"ونحن أقرب إليه منكم، ولكم لا تبصرون"وكان رضي الله عنه يقول: احذروا من الاغترار بصحبته لكم أن يستدرجكم بحبكم له فيشغلكم بكم عنه وإذا كشف لكم عن حقائقكم حسبتم أنكم هو، ومن هنا يفع الاستدراج، ولا خلاص لكم إلا إن شهدتموه به تعالى لا بكم. وسئل رضي الله عنه مرة عن قوله تعالى:"ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار""هود: 113"الآية هل يدخل في ذلك الركون إلى النفس فقال رضي الله عنه نعم، ثم قال رضي الله عنه: وإيضاح ذلك أن هذه الآية أيضًا متضمنة لعدم اختيار العباد مع ربهم، ومتضمنة أيضًا لمعرفة أقرب الطرق إلى الحق وهو أصل جامع لجميع الطرق الظاهرة، والباطنة فإن في باطنها الحث على الآمر بالتخلق بالمقام الإبراهيمي الذي نحن مكلفون باتباعه، وذلك أن الأركان صفة من صفات النفس والظلم أيضًا من صفاتها، وهي موصوفة بالظلم والأركان في نفسها لاعتمادها على نفسها ودعواها بأنها أفضل وأعلم من غيرها، ولو لم تعلم هي ذلك من نفسها، ولولا أنها موصوفة بالظلم ما ظهر عنها قط فعل ولا أمر قبيح، وهذا أيضًا أقوى دليل على جهلها بمعرفة نفسها، وربما حيث لم تسند إلى ربها جميع أفعالها وأقوالها، وحركاتها، وسكناتها الظاهرة والباطنة، ومعلوم أن الظالم نفسه إنما هو معذب في هذه الدار بنار نفسه، وشهواته لا بالنار المحسوسة التي تقع له في الدار الآخرة. وانظر يا أخي إلى إبراهيم عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة، والسلام لما لم تؤثر فيه نار الشهوة لم تؤثر فيه نار الحس بل، وجدها بردًا لأجل صفة البرد الذي في باطنه عليه الصلاة، والسلام من حر التدبير المفضي إلى الشرك الأكبر المشار إليه بقول لقمان لابنه"إن الشرك لظلم عظيم"فعلم أن الظالم لحق ربه معذب بنار البعد عنه، ومتقرب إلى هواه الذي جعله معبوده، ووجهته قال تعالى:"أفرءيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم""الجاثية: 23"وإنما وصفه هنا بالعلم لأنه لم يتخذ له إلهًا خارجًا عنه بعيدًا منه، والإله من شأنه القرب، وما ثم أقرب إلى الإنسان من نفسه لنفسه لأن هواه المعبود عالم بما يظهر في سره، ونجراه بخلاف الإله المجعول في الظاهر فإنه غير عالم بمصالح تلك النفس، وأحوالها لبعده، وعدم علمه، ومن هنا قالوا ألطف الأوثان الهوى، وكثفها الحجارة، وأيضًا فإن النفس العابدة لهواها هي المعبودة لهذا فإن صفاتها عابدة لذاتها، ولذلك وقع علينا التوبيخ الإلهي في قوله تعالى:"وفى أنفسكم أفلا تبصرون""الذاريات: 21"، وفي حديث من"عرف نفسه عرف ربه"فإن المعرفة هنا تكررت وهي لم تقبل تكرارًا، والنفس، والرب قبلا التكرار فاعلم ما تحته تصب التحقيق إن شاء الله تعالى، وصلى الله وسلم على معلم الخير، ومظهر التوحيد. وكان رضي الله عنه يقول ثم ثلاث مرات لثلاث رجال زاحم عليها متصوفة زمامنا بغير حق وهي تلقين الذكر للمريدين، سهم وإلباسهم الخرقة وإخاؤهم لهم العذبة، فأما تلقين الذكر فشرطه عندي أن يعطيه الله تعالى من القوة، والتمكين وكمال الحال ما يمنح المريد عند قوله قال لا إله إلا الله جميع