جامع المسانيد والسنن
الهادي لأقوم سنن
للإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر
ابن كثير الدمشقي
رحمه الله / 701/ 774هـ
الجزء الأول
دراسة وتحقيق
أ.د/ عبد الملك بن عبد الله بن دهيش
الرئيس العام لتعليم البنات سابقًا - المملكة العربية السعودية
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
ربِّ يسر وأعن ياكريم
جميع الحقوق محفوظة للمحقق
د. عبد الملك بن دهيش
الطبعة الثالثة
طبع على نفقة المحقق
ويطلب من مكتبة الأسدي بمكة المكرمة
(ت: 5570506)
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
... الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير.
... وصلى الله وبارك على سيدنا محمد رسوله، وخيرته من خلقه، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
... أَمَّا بعد:
... فإن أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - . وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
... فالنجاة والفوز بالتمسك بالكتاب والسنة، إذ هما عماد الدين، وأساسه القويم، وقد حث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ضرورة التمسك بالكتاب والسنة، وجعلهما سببًا للهدى والرشاد، حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي( [1] .
... فالسنة إما شارحة للكتاب ببيان مجمله، وتخصيص عمومه، وتقييد مطلقه، وتفسير مبهمه، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [2] .
... وهي وحي يتنزل على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - .
... وعليه فجانب الوحي في السنة ظاهر، وقد أشار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهذا المعنى بقوله: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه( [3] ومثل الكتاب هو السنة كما قرره العلماء.
... أَمَّا القرآن فقد تكفل الله بحفظه، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [4] .
... وأما السنة فهي وإن كانت وحيًا.. إلا أنها ليست بمثابة القرآن في التعبد والتحدي والإعجاز، ولأنها المبينة للقرآن فكان لابد من العناية بها، وتمحيص صحيحها من سقيمها وبذل الجهد في جمع أطرافها، ونقد رجال أسانيدها، وضبط مروياتها، لتخليص إبريزها من زيفها، وهذا هو ما اعتنى به علماء الأمة، وجهابذة السنة، ولا غرو، فهم ورثة الأنبياء والأئمة الأتقياء، الحفظة للدين، الأمناء على الشريعة، تلي مكانتهم الأنبياء، وأولى الناس بخشية الله، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [5] فهم القوامون على أمر الله، القيام بالقسط، قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [6] وقد زكاهم الله في كتابه، ورفع قدرهم بين أوليائه، وأحبائه، قال سبحانه: {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا} [7] وقال عز من قائل: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [8] ؟ وقال - صلى الله عليه وسلم -: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين( [9] وقال: (من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن لم يورثوا دينارًا ولا درهم، وإنما ورثوا العلم( [10] .
... ولا شك أن علماء الدين القويم، هم أولى الناس بهذا الثناء وأحقهم بهذه التزكية العطرة، ولا سيما المشتغلين بالسنة. فقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بالنضارة، حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: (نضر الله أمرًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه( [11] .
(1) ... أخرجه مالك في الموطأ 2/899 وابن عبد البر في جامع بيان العلم 2/30.
(2) ... بعض آية (44) النحل.
(3) ... أخرجه أبوداود: كتاب السنة، باب لزوم السنة 2/505.
(4) ... آية (9) الحجر.
(5) ... بعض آية (28) فاطر.
(6) ... آية (18) آل عمران.
(7) ... بعض آية (269) البقرة.
(8) ... آية (9) الزمر.
(9) ... صحيح البخاري: كتاب العلم: باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين 1/24 ط الحلبي.
(10) ... الآداب للبيهقي 525، والجرح والتعديل 1/12، وسنن ابن ماجه 1/81، والترمذي 4/153.
(11) ... أخرجه أبوداود في السنن 1/289، والترمذي 1/141، وأحمد في مسنده 6/96 بإسناد صحيح.