الجُزء السابع والعشرون
(أبو رجاء العطاردى، واسمه عمران عنه
عن سمرة بن جندب)
4848 - حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن أبى رجاء العطاردى، حدثنا سمرة بن جندب الفزارى. قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يقول لأصحابه: «هَلْ رَأى أَحَدٌ مِنْكُم رُؤيَا؟» قال: فيقصص عليه ما شاء الله أن يقص.
قال: وإنه قال لنا ذات غداة: «إنه أتانى الليلة آتيان، وإنهما ابتعثانى، وإنهما قالا لى: انطلق وإنى انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوى بالصخرة لرأسه فيثلع [1] بها رأسه فيتدهده الحجر ها هنا، فيتبع الحجر [2] فيأخذه، فما يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى.
قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لى: انطلق انطلق.
فانطلقت معهما، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب [3] حديد، وإذا هو يأتى أحد شقى وجهه، فيشرشر [4] شدقه إلى قفاه، ومنخراه إلى قفاه، وعيناه إلى قفاه. قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل فعله بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك، حتى يصح الأول كما كان، ثم يعود فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى. قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قالا لى: انطلق انطلق؟
قال: فانطلقنا فأتينا على مثل بناء التنور - قال عوف: وأحسب أنه قال: وإذا فيه لغط وأصوات - قال: فاطلعت، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوَّضوا [5] ، قال: قلت: ما هؤلاء؟ قالا لى: انطلق انطلق. فانطلقت، فأتينا على نهر حسبت أنه قال: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل يسبح، ثم يأتى ذلك الرجل الذى قد جمع الحجارة، فيفغر [6] له فاه، فألقمه حجرا حجرا. قال: فينطلق فيسبح ما يسبح، ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر له فاه، وألقمه حجرًا. قال: قلت: ما هذا؟ قال: قالا لى انطلق انطلق.
فانطلقت فأتينا على رجل كريه المرآة [7] كأكره ما أنت راءٍ رجلًا مرآة، وإذا هو عند نار له يحسها [8] ويسعى حولها. قال: قلت: ما هذا؟ قالا لى: انطلق انطلق. فانطلقنا، فأتينا على روضة معشبة فيها من كل نور الربيع. قال: وإذا بين ظهرانى الروضة رجل قائم طويل لا أكاد أن/ أرى رأسه طولا في السماء وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط وأحسنه. قال: قلت لهما: ما هذا وما هؤلاء؟ قالا لى: انطلق انطلق.
قال: فانطلقنا، فانتهينا إلى دوحة عظيمة لم أر قط دوحة أعظم منها ولا أحسن. قال: فقالا لى. ارق فيها، فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا ففتح لنا فدخلنا فتلقانا فيها رجال شطر من خلقتهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: فقالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فإذا نهر صغير معترض يجرى، كأنما هو المحض [9] في البياض. قال: فذهبوا، فوقعوا فيه، ورجعوا إلينا، وقد ذهب ذلك السوء عنهم وصاروا في أحسن صورة. قال: فقالا لى: هذه جنة عدن. وهذاك منزلك. قال: فبينما بصرى صعد، فإذا قصر مثل الربابة [10] البيضاء. قالا لى: هذا منزلك. قال: قلت لهما: بارك الله فيكما. ذرانى فلأدخله. قال: قالا لى: الآن فلا وأنت داخله.
قال: قلت: فإنى رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذه الذى رأيت؟ قال: قالا لى: أما إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذى أتيت عليه يثلع رأسه بالحجر فإنه رجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذى أتيت عليه شدقه إلى قفاه، عيناه إلى قفاه، ومنخراه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في بناء مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزوانى، وأما الرجل الذى يسبح في النهر ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة الذى عند النار يمسها، فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذى رأيت في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام، وأما الولدان الذين حوله، فكل مولودٍ مات على الفطرة»
قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وَأوْلاد المُشركين» .
(1) الثلع: الشرخ. وقيل هو ضربك الشىء الرطب بالشىء اليابس حتى ينشرخ. النهاية: 1/ 133.
(2) يتدهده الحجر ويتدهدى:/ يتدحرج. النهاية: 1/ 37.
(3) الكلوب: بتشديد اللام: حديدة معوجة الرأس. النهاية: 4/ 31.
(4) فيشرشر شدقه إلى قفاه: يشقه ويقطعه. النهاية: 2/ 213.
(5) ضوضوا: ضجوا واستفاقوا. النهاية: 3/ 28.
(6) يفغر له فاه: يفتحه. النهاية: 3/ 208.
(7) كريه المرآة: كريه المنظر، مفعله من الرؤية. النهاية: 2/ 55.
(8) يحسّها: يمسّها. النهاية: 1/ 227.
(9) المحض: الخالص من كل شىء: 2/ 81.
(10) الربابة البيضاء: السحابة التى ركب بعضها بعضًا. النهاية: 2/ 57.