القرشي المخزومي: أبو سُليمان ويُقال: أبوالوليد) [1]
... فارسُ الإسلام، ومقدم عساكره، أمهُ لُبابة الصُّغرى بنت الحارث أخت لُبابة الكبرى امرأة العباس أمُّ أولادهِ، وميمونة بنت الحارث أم المؤمنين. كان إليه في الجاهلية القبة وأعنه الخيل - قال الزُّبير بن بكار - فالقبة الخيمة الكبيرة التي يجمعون فيها جهاز الجيوش، وأعنهُ الخيل أنَّهُ مقدم الجيوش.
... ولما أسلم بعد الحديبية، وقبل حُنين هو وعمرو بن العاص وطلحة بن أبي طلحة استمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أميرًا مُقدمًا كما كان، وسماهُ سيفًا من سيوف الله، فشهد خيبر وعُمرةُ القضاء كما سيأتي في حديثٍ عنهُ.
... وقال الواقدي: إنما أسلم من أول يوم من صفرٍ سنة ثمانٍ، وحضر مؤته وتأمَّر من غير إمرةٍ بعد مقتل زيد وجعفر وابن رواحة، ففتح الله عليه، وخلص بالمؤمنين من أيدي الكافرين، ويومئذٍ سماهُ سيفًا من سيوف الله تعالى [2] ، وشهد الفتح وبعثهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى العُزَّى بنخلة بين مكة والمدينة، فهدمها، وقيل وقتل شياطينها امرأةً ناشزةً شعرها، وقطع نخلتها، وكانت طويلة شاهقة، فكانوا يعبدونها [3] .
... وبعثهُ إلى بني جذيمة، فلم يُحسنوا يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فحسب أنهم يستهزئون بالإسلام، فقتلهم، فوادهُم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - / وقال: (اللهم إني أبرأُ إليك مما صنع خالدٌ(، ومع هذا فلم يعزلهُ، وإن كان قد أخطأ خالدٌ في الاجتهاد [4] .
... وقد استمر بهِ الخليفة الصديق أميرًا مُقدمًا في أهل الردَّة، حتى ردهم عن غيهم آخذًا منهم ما كانوا يمنعونهُ من الزكوات، ثم أرسلهُ إلى مسيلمة، وبني حنيفة، فهزمهم، وردهم عن كفرهم، وقتل الكذاب المتنبئ مُسيلمة - لعنه الله - وأوقع فيمن هُنالك من الأحياء المخالفة للحق بأسًا شديدًا، وقتلًا ذريعًا، ثم مازال وما انفك وما برح حتى تمهدت جزيرة العرب بعدما كان قد أشرف أكثرهم على العطب، فقوَّم بسنانه وحُسامهِ ما اعوجَّ من أقوالهم وأفعالهم هدى الله على يديه بما تلاه عليهم من الآيات البينات والحجج الوافيات المحمدية النبوية قلوبهم، وستر عيوبهم، ثم بعثهُ الصديق إلى العراق لقتال كسرى وجنوده وجيوشه ومرازبته، ففتح في أقصر مدةٍ إلى الأنبار، وأرغم أُنوف من هُنالك من الكفار، وتبارز هو وهرمز أكبر نواب كسرى، فما كان بأسرع من قتله، وانقض إلى الأرض، ونزل عن فرسه، فجعلهُ تحت يده اليُسرى فأوقعه وهو يختلج، واستدعى بغذائِهِ، فأكل والجيوش واقفة متصافةٌ على حالها الحسن، المجوسُ مائة ألفٍ والمسلمون خمسة آلافٍ، ثم نهض وركب فرسهُ، وحمل على الجيوش فكسرهم، وأسرهُمْ حتى دارت الطواحين بدمائهم، ثم جاءهُ كتابُ الصديق يأمرهُ أن يستنيبُ على العراق، وأن يقدم إلى الشام، فيكون الأمير على من بهِ من المسلمين المجهزين لقتال الروم، فاخترق البرية في خمسة أيامٍ، وأصبح في أطراف الشام على الماء، ثم جاء مُسرعًا، فوجدهم مُحاصري بُصْرَى، فما ألبثها حتى فتحها صُلحًا، ثم جاء دمشق، فاقتحمها عنوةً لكنهُم خدعوا أبا عبيدة، فأخذوا لهم منهُ أمانًا وهو لا يشعر بما كان من أمرِ خالد، وقد بسطنا الكلام في هذا كلهُ في كتابنا (البداية والنهاية( [5] ثم جاءت أيام [عمر] فعزل خالدًا عن الأمرة وولى أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، وأمرهُ أن لا يقطع في الحرب أمرًا إلا بمشورة خالد، رضي الله عنهما.
... وذكرنا والطبري [6] أيضًا أنه لحس سُمًّا وهو بالحيرة، فقال: بسم الله خير الأسماء، بسم الله رب الأرض والسماء، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئٌ في الأرض ولا في السماء، وهو السميعُ العليم، ثم انتحى فأطرق ساعةً، وعرق، ثم سُرّى عنهُ، وما ضرَّهُ / فتهول الفُرسُ من ذلك، وصالحوهُ على ما أراد رضي الله عنه [7] .
(1) ... له ترجمة في أسد الغابة: 2/109؛ والإصابة: 1/413؛ والاستيعاب: 1/405؛ والتاريخ الكبير: 3/136؛ والطبقات الكبرى: 4/1، القسم الثاني؛ وثقات ابن حبان: 3/101؛ والمعجم الكبير للطبراني: 4/120؛ وتهذيب التهذيب: 3/124.
(2) ... يرجع إلى صحيح البخاري في المناقب وفي المغازي: باب غزوة مؤته من أرض الشام: 7/100، 512.
(3) ... الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/105.
(4) ... صحيح البخاري، كتاب المغازي: باب بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة: 8/56.
(5) ... البداية والنهاية: 7/20.
(6) ... في الأصل المخطوط الطبراني، والصواب ما أثبتناه، وقد أورد ابن جرير هذا الخبر مطولًا في تاريخه: 3/363.
(7) ... البداية والنهاية: 6/347؛ والطبراني مختصرًا: 4/124.