فهرس الكتاب
قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلًا لا يصلى الخمس أرى أنه أفضل منه/ أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلًا أو نهارًا منه. قال: فأحببته حبًا لم أحبه من قبله، فأقمت معه زمانًا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إنى كنت معك، وأحببتك حبًا لم أحبه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصنى به وما تأمرنى؟ قال: أى بنى والله ما أعلم اليوم أحدًا على ما كنت عليه. لقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجل بالموصل [1] ، وهو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالحق به. قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان إن فلانًا أوصانى عند موته أن ألحق بك، وأخبرنى أنك على أمره. قال لى: أقم عندى. فأقمت عنده، فوجدته خير رجلٍ على أمر صاحبه. قال: فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت: يا فلان إن فلانًا أوصى بى إليك، وأمرنى باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصى بى، وما تأمرنى؟ قال: أى بنى والله ما أعلم رجلًا على ما كنا عليه إلا رجلًا بنصيبين [2] وهو فلان فالحق به. قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين، فجئت فأخبرته خبرى، وما أمرنى به صاحبى. قال: فأقم عندى، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما احتضر قلت له: يا فلان إن فلانًا كان أوصى بى إلى فلان ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى، وما تأمرنى؟ قال: أى بنى والله ما أعلم أحدًا بقى على أمرنا، آمرك أن تأتيه إلا رجلًا بعمورية [3] فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته فإنه على أمرنا. قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية، وأخبرته خبرى. قال: أقم عندى، فأقمت مع رجل على هدى أصحابهن وأمرهم. قال: واكتسبت حتى صارت لى بقرات وغنيمة. قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان إنى كنت مع فلان، فأوصى بى فلان إلى فلانٍ، وأوصى بى فلان إلى فلان وأوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى، وما تأمرنى؟ قال: يا بنى والله ما أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظلك زمان نبى هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج من أرض العرب مهاجرًا إلى أرض بين حرتين [4] بينهما نخل به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، إن استطعت أن تلحق تلك البلاد فافعل. قال: ثم مات وغيب فمكثت بعمورية ما شاء الله/ أن أمكث، ثم مر بى نفر من كلب [5] تجارًا، قلت لهم: تحملونى إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتى هذه وغنيمتى هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتهموها وحملونى، حتى إذا قدموا بى وادى القرى [6] فظلمونى فباعونى من رجلٍ من اليهود عبدًا، فمكثت عنده، ورأيت النخل، ورجوت أن تكون البلد الذى وصف لى صاحبى، ولم يحق لى في نفسى، فبينما أنا عنده قدم علينا ابن عم له من المدينة من بنى قريظة، فابتاعنى منه، فاحتملنى إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها، فعرفتها بصفة صاحبى، فأقمت بها، وبعث الله رسوله، وأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكرٍ مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إنى لفى رأس عذق [7] لسيدى أعمل فيه بعض العمل، وسيدى جالس، إذ أقل ابن عم له وقف عليه، فقال: فلان قاتل الله بنى قيلة [8] والله إنهم الآن لمجتمعون بقباءٍ على رجلٍ قدم عليهم من مكة اليوم يزعم أنه نبى، قال: فلما سمعتها أخذتنى العرواء [9] حتى ظننت سأسقط على سيدى. قال: ونزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدى فلكمنى لكمة شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا؟ أقبل على عملك.
(1) الموصل: مدينة عظيمة باب العراق ومفتاح خراسان ومنها يقصد إلى أذربيجان. يراجع معجم البلدان: 5/223.
(2) نصيبين: الأكثر يجعلونها بمنزلة من لا ينصرف من الأسماء، ومن العرب من يجعلها بمنزلة الجمع فيعربها في الرفع بالواو وفى الجر والنصب بالياء، وهى مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام. يراجع معجم البلدان: 5/288.
(3) عمورية: بلد من بلاد الروم. معجم البلدان: 4/158.
(4) بين حرتين: تثنية حرة، والحرة: أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كبيرة. وتقع المدينة بين حرتين عظيمتين. يراجع اللسان: 2/829.
(5) كلب: اسم قبيلة من قبائل العرب.
(6) واد القرى: واد بين الشام والمدينة وهو بين تيماء وخيبر. معجم البلدان: 4/338.
(7) العذق: بالفتح النخلة وبالكسر العرجون بما فيه من الشماريخ، ويجمع على عذاق. النهاية: 3/77.
(8) بنو قيلة: الأوس والخزرج قبيلتا الأنصار. وقيلة اسم أم لهم قديمة. النهاية: 3/290.
(9) العرواء: برد الحمى. النهاية: 3/90.