أصاب المسلمين ضرر عظيم من فهم بعضهم الخاطئ لقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} (المائدة: 3) ، هذه الآية من القرآن وما يشهد لمعناها من الحديث كقوله صلى الله عليه وسلم: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد] (أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة) ، وحكموا على كل إضافة في الدين بالبطلان والرد، وبذلك عطلوا بابًا من أعظم أبواب الإسلام وهو باب الإجتهاد التطبيقي، ووقفوا جامدين أمام مشكلات التطبيق وتغير الأحوال.
وقام بإزاء هؤلاء طائفة أخرى زعموا أن كل قول في الدين صدر عن إمام أو عالم فهو حق لأنه من الدين، وقد يكون مستندًا إلى الدليل. وبذلك أصبح الدين عند أولئك واسع سعة كل الفتاوى والآراء والأقوال التي صدرت عن مجتهدين، ووسع هؤلاء الاجتهاد أيضًا حتى شمل العقائد والعبادات والأخلاق وبذلك صار الدين عند هؤلاء مسخًا مشوهًا لا تناسق فيه بأي وجه من الوجوه بل في كل قضية رأيان وثلاثة وعند هؤلاء أن كل هذه الأقوال صواب يجوز للمسلم أن يأخذ رأيًا منها وأن يعمل به.
وبين الفئة الأولى التي وقفت عند النصوص فقط بلا فهم ولا وعي لمتطلبات تطبيقها والتي جعلت أبواب الدين كلها بابًا واحدًا لا يجوز الزيادة فيه والاجتهاد وبين الفئة الثانية التي جعلت كل رأي صدر من عالم ما يجوز العمل به. أقول: بين هاتين الفئتين قامت المعارك الكلامية والمناقشات واستخدمت الآيات والأحاديث وأولت تأويلًا بعيدًا وشغل المسلمون وما زالوا مشغولين. . وقد غاب عن هؤلاء وهؤلاء بعض القواعد والموازين التي تضع الحق في نصابه، وهذه القواعد تتلخص في وجوب التفريق بين الثابت والمتغير من أمور الدين وهاك هذه القواعد: -
أولًا: الله سبحانه وتعالى هو الحق وكل ما صدر عنه من خبر فهو صدق، وكل ما صدر عنه من حكم فهو عدل كما قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا} (الأنعام: 115) ، و"كلمة"مفرد مضاف إلى معرفة فتعم أي كلمات، و"صدقًا"أي في الأخبار و"عدلًا"أي في الأحكام. فالكتاب الموحى به للنبي صلى الله عليه وسلم والسنة الموحى بها إليه أيضًا كلها حق. ومن ظن غير ذلك فقد كفر، وهذه أول الثوابت.
ثانيًا: القرآن نزل بلسان عربي، والسنة نقلت إلينا باللسان العربي، وللعرب تصريف بليغ في كلامهم ودلالات الألفاظ مختلفة أحيانًا. والمعاني تختلف أيضًا باختلاف صيغ التراكيب من التقديم والتأخير والحذف. وأفانين القول العربي واستخدامه لأنواع من الكنايات والتشبيهات والاستعارات كل هذا يجعل الحذق والفهم للنصوص القرآنية والحديثية متفاوتًا عند الأفراد، ولا يقول عاقل أن فهم الناس جميعًا لنصوص الكتاب والسنة بدرجة واحدة وهو يشاهد ثقافتهم واستيعابهم وفهمهم لأساليب اللغة وتراكيب الكلام وأفانين القول ولهذين السببين تفاوت الناس في الفهم، هذا مع العلم أن الأصل واحد والحق واحد لا يتعدد وهذه ثانية، الفهم متغير بتغير الأفراد والحق واحد لا يتغير بل الفرد الواحد يتغير فهمه في النص الواحد بتغير الزمان والوقت فأنت قد تفهم الآن آية على نحو ما، ثم تفهمها على نحو مخالف تمامًا في وقت آخر. وقد تقرأ آية دهرًا من عمرك ثم ينشأ لك فيها فهم جديد ما خطر ببالك قط. وهذا عمر ما كاد يسمع قول الله من فم أبي بكر الصديق: {إنك ميت و إنهم ميتون} (الزمر: 30) ، حتى قال: والله لكأني ما سمعتها إلا الساعة. والحوادث في هذا الباب كثيرة وليراجع كل منا نفسه في هذا. والشاهد: أن الفهم يتغير ويختلف باختلاف الأفراد والحالات والحق في ذلك كله واحد لا يتعدد. والموفق إلى الحق من وفقه الله تعالى.
ثالثًا: علوم الإسلام تنقسم إلى قسمين بوجه عام، قسم نستطيع أن نسميه القسم الثابت الذي لا يقبل التطوير ولا الاجتهاد ولا الإضافة وهذا القسم هو العقائد"مسائل الإيمان"والعبادات"أركان الإسلام الأربعة"والأخلاق"مجموعة الفضائل الخلقية كالصدق والإحسان والشجاعة و. . الخ"هذه الأمور هي الثوابت في الدين ولا يجوز أن نجري عليها قط أمور الاجتهاد والإضافة. فصفات الله سبحانه وتعالى والملائكة والجنة والنار واليوم الآخر وعذاب القبر، وغير ذلك من مسائل الغيب لا وجه في هذا مطلقًا لأي إضافة جديدة لأنه لا وصول إلى علم جديد في
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)