مضى مغوش لروض تربته ... تاريخه من كان حوضه يرد
وأعطش الواردين حين مضى ... فاحترقت من فراقه الكبد
إلى أن قال:
أدخله الله ظل رحمته ... فهو الرحيم المهمين الصمد
محمد بن محمد، المولى العلامة، محيي الدين الحنفي، أحد موالي الروم، المعروف بابن قطب الدين، قرأ على الشيخ مصطفى العجمي، ثم على المولى سيدي جلبي القوجوي، ثم على المولى يعقوب ابن سيدي، ثم على الفاضل بن المؤيد، ثم صار مدرسًا بمدرسة أحمد باشا بمدينة بروسا، ثم ترقى في التداريس، وولي قضاء حلب، ثم بروسا، ثم إسلام بول، ثم ولي قضاء العساكر الأناظولية، ثم عزل عنه، وأعطي تدريس إحدى الثماني، وعين له كل يوم مائة وخمسون عثمانيًا، وما مكث إلا يسيرًا حتى ترك التدريس، والمناصب، وذهب إلى الحج الشريف، ثم رجع إلى الروم، وتقاعد بالقسطنطينينة، وعين له كل يوم مائة وخمسون عثمانيًا، وكان كما قال صاحب الشقائق، عالمًا فاضلًا صالحًا، ورعًا محبًا للصوفية، سالكًا لطريقهم، واعتزل الناس، واشتغل بخويصة نفسه، وكان لا يذكر أحدًا إلا بخير، وكان له معاملة مع الله تعالى، وقال ابن الحنبلي كان أصيلًا عريقًا ينسب أباه إلى قاضي زاده الرومي، والعلاء القوشجي، ذا حشمة وسكينة، ووقار، واعتقاد في أهل الصلاح، وشغف بكلام الصوفية، وتبجيل العلماء، وذكر أيضًا أنه كان في ولايته بحلب عفيفًا عن الرشى صابرًا على تلاحي الخصام مسامحًا لمن ربما يسمعه غليظ الكلام وكان لا يفصل بين الحكومات المشكلة إلا بعد التروي الكلي، في مدة مديدة، لم يقضي بالحق، وكان يكره أهل التزوير، ويعزرهم، وتعفف في آخر عمره عن أخذ سجلات الحسبة، ومن شعر ابن الحنبلي، مؤرخًا لتولية المشار إليه قضاء العسكر:
تولى ابن قطب الدين قاضي عسكر ... على وفق ما ترجو الأعاجم والعرب
فأبديت تاريخ الولاية قائلًا: ... يطاع يقينًا في ولايته القطب
وكانت وفاته في سنة سبع - بتقديم السين - وخمسين وتسعمائة.