نضارتها إلى قرية خربة بجبل الأقرع، فعمر له بها دارًا، فعمر غيره دورا، ً واعتزل بها إلى أن ورد عليه ولده الشيخ أحمد، وقبل يده، وأظهر التوبة عما كان عليه من عدم الرضى مما عليه أبوه، فجعله خليفة، وانقطع لمجرد العبادة، وكان له مريدون كثيرون إلا أنهم لم يبلغوا قدر مريدي ولده الشيخ أحمد، ولا كان يشتغل بعلوم الظاهر كما كان ولده، وكان الشيخ عبدو من المجدين في العبادة فوق العادة يتعمم هو وأصحابه وأتباعه بالمآزر السود، ويلبس التاج المضرب، وتوجه بعضهم إلى زيارته، فرأى حول داره دواب لا تحصى للزوار وغيرهم فحدثته نفسه أن يشتري لدابته علفًا خشية عليها أن تموت جوعًا بين تلك الدواب الكثيرة. قال فدخلت على الشيخ. فقال لي بديهة: أتخاف عليها من الموت لعدم العلف؟ قال: فعلمت أنه كاشفني، وتوفي الشيخ عبدو في وطنه سنة أربع وأربعين وتسعمائة.
عبيد الله بن يعقوب، المولى الفاضل أحد الموالي الرومية، سبط الوزير أحد باشا ابن الفناري. قال في الشقائق: قرأ على علماء عصره، واشتغل بالعلم غاية الاشتغال، ثم وصل إلى خدمة الفاضل مصلح الدين البارحصاري، ثم انتقل إلى خدمة الشيخ محمود قاضي العسكر المنصور، ثم صار قاضيًا بحلب، ثم قال: كان فاضلًا ذكيًا كانت له مشاركة في العلوم، ومعرفة تامة بعلم القراءآت، وكان قوي الحفظ. حفظ القرآن العظيم في ستة أشهر، وكان صاحب أخلاق حميدة جدًا، وكان من الكرم في غاية لا يمكن المزيد عليها إلى أن قال: وملك كتبًا كثيرة، وهي على ما يروى عشرة آلاف مجلد. قال رأيت له شرحًا للقصيدة المسماة بالبردة وهو أحد شروحها انتهى.
ولي قضاء حلب في سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، ومكث بها مدة قال ابن الحنبلي كان له مدة إقامته بحلب شغف بجمع الكتب سمينها وغثها، جديدها ورثها، حتى جمع منها ما يناهز تسعة آلاف مجلد، وجعل فهرستها مجلدًا مستقلًا. يذكر فيه الكتاب ومؤلفه، ولم يعرف مؤلفي عدة منها، فكتب أسماءها، وفرقها على علماء حلب ليعرفوه، وكان مع أصالته فاضلًا سيما في القراءات، عارفًا باللسان العربي، سخيًا في كثير من رسوم المحكمة، ومعتقدًا في الصوفية، كثير التردد إلى مجلس الشيخ علي الكيزواني لتقبيل يده من غير حائل، ولا يتغالى في ملبسه، لكنه كان مترفهًا في مأكله ومشربه، مغرمًا بالعمائم وتحسينها بالنقوش