نيرة، وعليه كسوة الصوفية حواليه الشباب في صور الترك يخدمونه، فلما وقع بصري عليه بادرت إلى يده فصافحته، وقبلت يده فقال لي: ما حاجتك. فقلت: الدعاء، فدعا بأدعية مأثورة بفصاحة، وبلاغة، وحسن توجه بعد أن استقبل الكعبة وأطال في الدعاء، بحيث كان كلما انتهى من دعاء طلبت منه في سري أن يدعو بدعاء آخر عين المقصود منه في نفسي فما يتم، الخاطر حتى يشرع في الدعاء بعينه، وهكذا ثم ختم دعائه، ومسح بيديه على وجهه فقلت له: يا سيدي لا تنسنى من الدعاء فقال لي: وأنت كذلك لا تنسني من الدعاء، ثم فارقته، وعزمت في نفسي، ألا أجالس أحدًا بمكة في مدة إقامة الحاج بها غيره، وكان اجتماعي به قبل عرفة، فلما رجعنا من عرفة التمسته في تلك الحجرة، فلم أره وسألت عنه ساكن تلك الحجرة فقال لي: ما رأيت رجلًا قط بالصنعة التي ذكرت، ولا دخل هذا المذكور هذه الحجرة أصلًا، فعلمت أنه من رجال الله تعالى، بل المترجح عندي أنه قطب ذلك الوقت، وغوث ذلك الزمان، واجتمعت بجماعة من رجال الله تعالى ولله الحمد لكني ما رأيت أفضل من هؤلاء الأربعة، ولا أكثر بركة وإفاضة للخير على جلسائهم منهم، وكان مقدم اجتماعي بهذا الرجل الكامل في سابع ذي الحجة الحرام سنة إحدى بعد الألف من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وكان الشيخ محمد الصمادي رحمه الله تعالى معتقدًا للخواص، والعوام خصوصًا حكام دمشق، والواردين إليها من الدولة، وكانوا يقصدونه في زاويته للتبرك به، وطلب الدعاء منه، وطلب منه مصطفى باشا أن يكتب له في محضره الذي شهدت فيه أهل دمشق باستقامته، فأبى أن يكتب له فيه، وكان في ذلك الوقت موافقًا لشيخ الإسلام الوالد، فإن مصطفى باشا قصد الوالد في بيته، وطلب أن يكتب له على محضره فقال له: ما علمت من حالك شيئًا، وأنا منزو في هذه الخلوة عن خلوته الحلبية ما أعرف من أحوالك شيئًا فقال له: يا سيدي ادع الله لي إذا لم تكتب لي فقال له: ألهمك الله العدل ألهمك الله العدل، لم يزده على هذه الدعوة شيئًا، فلما رجع مصطفى باشا إلى الروم قيل له: من وجدت في الشام. قال: ما وجدت فيها غير رجلين الشيخ بدر الدين الغزي، والشيخ محمد الصمادي، وذكره ابن الحنبلي في تاريخه، وقال: أنه قدم حلب مرتين ثانيتهما سنة أربع وستين، ونزل بزاوية ابن المحتسب بالقرب من سويقة الحجار قادمًا من الباب العالي منعمًا عليه قال: وزرناه فإذا هو ذو استحضار لمناقب أجداده، وما لهم من الكرامات حسن السمت، لطيف العشرة قال: وذكر لي أن مسلمًا جده ينتسب إلى سعيد بن جبير وأخرج لي: طبلًا من نحاس أصفر، وأخبر أنه الذي كان مع مسلم في فتح عكا انتهى.
قلت: وفي ذكره كذلك تلميح إلى خلاف ما استقر عليه الحال لأن من ثبوت نسب