تحرير محل النزاع في المسألة:
أولًا: اتفق الفقهاء على أن اغتسال الرجل مع امرأته في آنٍ واحد, من إناء واحد, جائز (1) .
واستدلوا بما يأتي:
حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: (كنت أغتسل أنا والنبي -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد) (2) , وحديث ابن عباس -رضي الله عنه-: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد) (3) , وحديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- يقول: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد) (4) , وحديث أم سلمة -رضي الله عنها-: (كنت أغتسل أنا والنبي -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد من الجنابة) (5) .
وجه الاستدلال من الأحاديث:
دلت هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة؛ على جواز مشاركة الرجل لامرأته في الغسل من إناء واحد.
ثانيًا: اتفق الفقهاء على جواز اغتسال المرأة بعد الرجل من الإناء الذي اغتسل منه (6) .
واستدلوا بما يأتي:
القياس على اغتسال الرجل والمرأة جميعا؛ إذ المرأة مغتسلة بفضل الرجل حين اغتسالها معه, فكذلك اغتسالها بفضله منفردة (7) .
ثالثًا: اختلف الفقهاء في اغتسال الرجل بعد امرأته, من الإناء الذي اغتسلت منه, على قولين:
القول الأول:
يجوز للرجل أن يتطهر من الإناء الذي اغتسلت منه المرأة, ويرتفع بذلك حدثه, سواء خلت به أم لا, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (8) , والمالكية (9) , والشافعية (10) , ورواية عند الحنابلة (11) .
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يغتسل بفضل ميمونة) (12) , وفي رواية: اغتسل بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في جفنة، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت: له يا رسول الله، إني كنت جنبا؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الماء لا يجنب) (13) , والحديث صريح في تطهر النبي -صلى الله عليه وسلم- من إناء تطهرت منه امرأة.
نوقش وجه الاستدلال بالحديث:
يحتمل أن ميمونة-رضي الله عنها-لم تخل بالإناء؛ لذلك اغتسل منه النبي -صلى الله عليه وسلم- (14) .
أجيب عن المناقشة:
الحديث ظاهر الدلالة على الخلوة بالإناء؛ لأن العادة أن الإنسان يقصد الخلوة في الاغتسال, لاسيما المرأة التي جبلت على الحياء والستر (15) .
(1) ينظر: المبسوط, للشيباني 1/ 39, والمبسوط, للسرخسي 1/ 61, والمحيط البرهاني, لأبي المعالي 1/ 86, والمدونة, للإمام مالك 1/ 122, وبداية المجتهد, لابن رشد الحفيد 1/ 37, ومواهب الجليل, للحطاب 1/ 52, والأم, للشافعي 1/ 21, والحاوي الكبير, للماوردي 1/ 229, والمجموع, للنووي 2/ 190, والمغني, لابن قدامة 1/ 158, والشرح الكبير, لعبدالرحمن ابن قدامة 1/ 22, والمبدع, لابن مفلح 1/ 34.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب: الغسل, باب: غسل الرجل مع امرأته (250) 1/ 59, وأخرجه مسلم في صحيحه, كتاب: الحيض, باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة (319) 1/ 255.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب: الغسل, باب: الغسل بالصاع ونحوه (253) 1/ 60, وأخرجه مسلم في صحيحه, كتاب: الحيض, باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة (322) 1/ 257.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب: الغسل, باب: هل يدخل الجنب يده في الإناء (264) 1/ 61.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب: الحيض, باب: النوم مع الحائض وهي في ثيابها (322) 1/ 71.
(6) ينظر: المبسوط, للسرخسي 1/ 61, والمحيط البرهاني, لأبي المعالي 1/ 86, واللباب في الجمع بين السنة والكتاب, للمنبجي 1/ 55, والبيان والتحصيل, لابن رشد الجد 1/ 49, وبداية المجتهد, لابن رشد الحفيد 1/ 37 , ومواهب الجليل, للحطاب 1/ 52, والأم, للشافعي 1/ 21, والحاوي الكبير, للماوردي 1/ 231, والمجموع, للنووي 2/ 191, والمغني, لابن قدامة 1/ 157, والشرح الكبير, لعبدالرحمن ابن قدامة 1/ 22, والمبدع, لابن مفلح 1/ 35.
(7) ينظر: المبسوط, للسرخسي 1/ 61, وبداية المجتهد, لابن رشد الجد 1/ 37.
(8) ينظر: المبسوط, للشيباني 1/ 39, والمبسوط, للسرخسي 1/ 61, والمحيط البرهاني, لأبي المعالي 1/ 86.
(9) ينظر: المدونة, للإمام مالك 1/ 122, وبداية المجتهد, لابن رشد الحفيد 1/ 37, ومواهب الجليل, للحطاب 1/ 52.
(10) ينظر: الأم, للشافعي 1/ 21, والحاوي الكبير, للماوردي 1/ 229, والمجموع, للنووي 2/ 190.
(11) ينظر: المغني, لابن قدامة 1/ 158, والكافي, لابن قدامة 1/ 117, والمبدع, لابن مفلح 1/ 34.
(12) أخرجه مسلم في صحيحه, كتاب: الحيض, باب: القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة (323) 1/ 257.
(13) أخرجه أبو داود في سننه, كتاب: الطهارة, باب: الماء لا يجنب (68) 1/ 18, والترمذي في سننه, أبواب: الطهارة, باب: الرخصة في ذلك (65) 1/ 94, والنسائي في سننه الصغرى, كتاب: المياه, -بدون باب- (325) 1/ 173 , وابن ماجه في سننه, كتاب: الطهارة, باب: الرخصة بفضل وضوء المرأة (370) 1/ 132, وأحمد في مسنده, مسند: بني هاشم, مسند: عبدالله بن عباس, (2102) 4/ 14, وصححه الألباني في صحيح أبي داود 1/ 118.
(14) ينظر: المغني, لابن قدامة 1/ 158.
(15) ينظر: المبدع, لابن مفلح 1/ 34.