فهرس الكتاب

الصفحة 699 من 736

بسم الله الرحمن الرحيم

شهارة مدينة تأريخية شهيرة، تقع في بلاد الأهنوم شمال غربي صنعاء تتبع محافظة عمران حاليًا، حجة سابقًا، وهي هجرة علمية مشهورة وحصن من أمنع حصون اليمن، كانت قديمًا تعرف بجبل معتق، قال مفرّح بن أحمد مؤلف (سيرة الأميرين الجليلين القاسم ومحمد ابني جعفر بن الإمام القاسم بن علي العياني) : رأيت أن أصف شهارة في ذاتها بما يجب من جميع صفاتها: جبل شامخ، ومعقل باذخ، مزر على أربعة جبال، مركوز بين شناخيب طيال أصلهن واحد، رؤوسهن متباعدة، ويعني أن يحاط به في يومين لا يتهيأ له حصر ولا يخشى فيه قهر. وهو جبلان فليقان ليس لكل واحد منهما إلا طريق بباب، بينهما فرق بعيد الغور في الأرض ومقدار قاب القوس في الطول والعرض، يتناجى الرجلان بخفي الأصوات فيما يحتاجان من الأسرار والحاجات، تنظر من فوقه الشمس وهي تدرج فوق السحاب، وترى البرق والرعد من تحته وفي الأودية والشعاب ، ذاهب في السماء لا يكاد يفارقه الغيم والغمام، وإذا كنت في الليل أساسه وأوقدت النيران في رأسه اختلطت عليك الوهوم فلا تكاد تفرق بين النيار والنجوم، وإنما سميت شهارة إلا لاشتهارها، وسأذكر ما كان في قديم الزمان من أخبارها وكان يسمى معتقا فيما تقدم، وفيه يقول مفرّح:

وإذا امرؤ أمّ النجاة فإنما

سبب النجاة بمعتق في معتق

ثبتت قواعد أسه بمحمد

لصلاح دين محمدٍ المستغرق

وإنما سمي معتقًا لأنه كان يلتوي به الطريق وتأتي إليه العبيد فإذا لحقهم مواليهم، قالت الأهنوم: شاوروهم وشاوروا معتقًا.

وذكر -والله اعلم وأحكم- أن أسعد الكامل طلعها في مبتدأ أمره في ثمانين رجلًا، وأن صاحب اليمن في ذلك الزمان حصره عليها، وأنزل في مكان يقال له: (أقر) يسمى بذلك لأنه قال: استقروا هاهنا (ويعرف اليوم بالقابعي) . و أنه -أي أسعد الكامل- نزل عليهم فقتلهم فقال صاحب اليمن: شهَّرنا هذا الجبل شهَّره الله، فسمي شُهارة لهذه الرواية.

وروى بعض أهل الأخبار أنه كان يسمى قبل ذلك بظفار، إلى آخر ما قاله في وصفها. انظر صفحة 135 إلى 155.

وشهارة أكثر ما عرفت، واشتهرت عندما هاجر إليها الأمير ذو الشرفين محمد بن جعفر بن الإمام القاسم بن علي العياني في القرن الخامس الهجري مع الشيعة الحسينية هروبًا من الهجوم الصليحي، حيث دخلها في آخر أيام رمضان عام أربعمائة و ستين هجرية 460هـ/ أغسطس 1068م، وبذلك صارت شهارة حصن الشرفاء القاسميين، و المقر الدائم للأمير ذي الشرفين الذي مكنه من الثبات في وجه هجمات الصليحيين، و فشل حصارهم عام 462هـ و هزيمتهم، وبقي بها حتى وفاته في 23/محرم/478هـ.

يقول مفرح بن أحمد الربعي صاحب السيرة في وصف شهارة في القرن الخامس الهجري: عمرت في أيام الأمير ذي الشرفين من المناهل الماجل الشرقي، وماجلان في وسط الحصن، وماجل على باب العريميين والسد الذي غربي السور اليماني، و بئران بناحية الغيل الشرقي تحت باب العبيديين، و ثلاثة مناهل في شهارة الفئش (الفيش) ، و منهل تحت الرزوة، و أحصي عدد دور شهارة الفائش بنيف وسبعين دارًا، وأحصي عدد دور شهارة الكبيرة في أيام الأمير عمدة الإسلام خمسمائة دار وإحدى عشر دارًا، وأحصي عدد صبيان المكتب في أيام الأمير ذي الشرفين فكان جميعهم سبعمائة وأربعة وستين.

وأمر الأمير عمدة الإسلام بعمارة الطريق وتسهيلها حتى طلعت الإبل بحمولتها وانتهت إلى رأس السرو الأسفل، وأسفل السرو الأعلى موضع يعرف بدار عليف في سنة 485هـ، وأمر ببناء مشهد على قبر أبيه الأمير محمد ذي الشرفين فابتنى عليه مشهدًا بالآجور والقص، له ثلاثة أبواب: غربي، وعدني، وشرقي، وقبره عليه السلام بإزاء العدني منها. انظر سيرة الأميرين ص 196 إلى 197.

وتراوح تأريخ شهارة من القرن الخامس عشر الهجري، إلى نهاية القرن الحادي عشر الهجري، بين شد وجذب، سكنها في هذه الفترة مئات الفضلاء والعلماء حتى كانت دعوة الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي مجدد القرن الحادي عشر الهجري الذي اتخذها عاصمة له ولدولته، وكذلك كانت عاصمة لدولة المؤيد بالله محمد بن القاسم، وفي عصر القاسم بن محمد كانت مهد الدولة، وحاضرة العلم، ومركز الإشعاع والنور، ازدحم فيها طلاب العلم والعلماء، فقيل: إن المقبورين في مقبرة (السرار) وحدها يزيدون على أربعمائة مجتهد.

ومن أشهر العلماء الذين سكنوها وقبروا فيها: الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي المتوفى سنة 1029هـ، وولده الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم المتوفى سنة 1079هـ، والعلامة عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الشرفي المتوفى سنة 1062هـ، صاحب تفسير (المصابيح) ، والعلامة أحمد بن سعد الدين المسوري المتوفى سنة 1079هـ، وعشرات غيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت