مُّعْرِضُونَ [آل عمران:23] ، فقال على: نعم، أنا أولى بذلك، فقام القُراء - الذين صاروا بعد ذلك خوارج - بأسيافهم على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ألا نمشى إلى هؤلاء حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقام سهل بن حنيف الأنصاري رضي الله عنه فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يوم الحديبية، ولو نرى قتالًا لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي بين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبين المشركين، ثم حدثهم عن معارضة عمر، رضي الله عنه، للصلح يوم الحديبية ونزول سورة الفتح على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال على: أيها الناس إن هذا فتح، فقبل القضية ورجع، ورجع الناس [1] .
وأظهر سهل بن حنيف رضي الله عنه اشمئزازه ممن يدعون إلى استمرار الحرب بين الإخوة وقال: أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم [2] , وبين لهم أنه لا خيار عن الحوار والصلح لأن ما سواه فتنة لا تعرف عواقبها، فقد قال: ما وضعنا بسيوفنا على عواتقنا إلى أمر إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر، ما نسد منها خصمًا إلا تفجر علينا خصم ما ندري كيف نأتي له [3] .وفي هذه الروايات الصحيحة رد على دعاة الفتنة، ومبغضي الصحابة الذين يضعون الأخبار المكذوبة، ويضعون الأشعار وينسبونها إلى أعلام الصحابة والتابعين الذين شاركوا في صفين؛ ليظهروهم بمظهر المتحمس لتلك الحرب ليزرعوا البغضاء في النفوس ويعملوا ما في وسعهم على استمرار [4] الفتنة.
إن الدعوة إلى تحكيم كتاب الله دون التأكيد على تسليم قتلة عثمان إلى معاوية وقبول التحكيم دون التأكيد على دخول معاوية في طاعة على والبيعة له، تطور فرضته أحداث حرب صفين، إذ إن الحرب التي أودت بحياة الكثير من المسلمين، أبرزت اتجاها جماعيًا رأى أن وقف القتال وحقن الدماء ضرورة
(1) مصنف ابن أبى شيبة (8/ 336) ، مسند أحمد مع الفتح الرباني (8/ 483) .
(2) البخاري رقم (4189) .
(3) البخاري رقم (4189) .
(4) الإنصاف فيما وقع في تاريخ العصر الراشدى من الخلاف: ص (530) .