لم يستسلم أمير المؤمنين على -رضي الله عنه- لهذه المصائب، وهذا التقاعس والتخاذل، فقد بذل جهده في انتهاض همة جيشه بكل ما أوتي من علم وحجة وفصاحة وبيان، فخطبه الحماسية المشهورة -التي اشتهرت عنه، تعتبر من عيون التراث- لم يقلها من فراغ أو خيال، بل من مر تجرعه وواقع أليم عاصره، فمن خطبه التي قالها لما أغير على أطرافه قال: أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجُنته [1] الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء، وديث بالصغار والقماءة [2] ، وضرب على قلبه بالأسداد [3] ، وأوديل [4] ، الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخس [5] ، ومنع النَّصف [6] . ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وإعلانا, وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم [7] إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم، حتى شنت عليك الغارات، وملكت عليكم الأوطان، وهذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار [8] ، وقد قتل حسان البكري، وأزال خيلكم من مسالحها [9] ، ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة [10] ، فينتزع حجْلها وقُلبها وقلائدها ورغاثها [11] ،
ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع [12] ، والاسترحام، ثم
(1) الجنة بالضم: الوقاية.
(2) ديث: ذلل، الصغار: الذل والصغر، القماءة: الذل والصغار.
(3) الأسداد: الحجب التي تحجب عنه الهدي والرشاد.
(4) أديل الحق منه: تحول الأمر عنه إلى الحق فألمت به الكوارث.
(5) سيم الخسف: أصبح محل الإذلال والمهانة.
(6) منع النصف: النصف: العدل: أي حرم العدل.
(7) عقر الدار: وسطها وأصلها، تواكلتم: وكل كل منكم أمر الجهاد إلا الآخر.
(8) الأنبار: بلدة شرقي الفرات.
(9) مسالح: جمع مسلحة وهي الثغر.
(10) المعاهدة: الذمية وهي غير المسلمة المقيمة في بلاد المسلمين.
(11) الحجل: الخلخل، القلب: السوار، الرغاث: جمع رغثة وهو القرط ..
(12) الاسترجاع: ترديد الصوت بالبكاء.