فهرس الكتاب

الصفحة 1020 من 1062

ثانيًا: استنهاض أمير المؤمنين على همة جيشه ثم الهدنة مع معاوية:

لم يستسلم أمير المؤمنين على -رضي الله عنه- لهذه المصائب، وهذا التقاعس والتخاذل، فقد بذل جهده في انتهاض همة جيشه بكل ما أوتي من علم وحجة وفصاحة وبيان، فخطبه الحماسية المشهورة -التي اشتهرت عنه، تعتبر من عيون التراث- لم يقلها من فراغ أو خيال، بل من مر تجرعه وواقع أليم عاصره، فمن خطبه التي قالها لما أغير على أطرافه قال: أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجُنته [1] الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء، وديث بالصغار والقماءة [2] ، وضرب على قلبه بالأسداد [3] ، وأوديل [4] ، الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخس [5] ، ومنع النَّصف [6] . ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وإعلانا, وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم [7] إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم، حتى شنت عليك الغارات، وملكت عليكم الأوطان، وهذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار [8] ، وقد قتل حسان البكري، وأزال خيلكم من مسالحها [9] ، ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة [10] ، فينتزع حجْلها وقُلبها وقلائدها ورغاثها [11] ،

ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع [12] ، والاسترحام، ثم

(1) الجنة بالضم: الوقاية.

(2) ديث: ذلل، الصغار: الذل والصغر، القماءة: الذل والصغار.

(3) الأسداد: الحجب التي تحجب عنه الهدي والرشاد.

(4) أديل الحق منه: تحول الأمر عنه إلى الحق فألمت به الكوارث.

(5) سيم الخسف: أصبح محل الإذلال والمهانة.

(6) منع النصف: النصف: العدل: أي حرم العدل.

(7) عقر الدار: وسطها وأصلها، تواكلتم: وكل كل منكم أمر الجهاد إلا الآخر.

(8) الأنبار: بلدة شرقي الفرات.

(9) مسالح: جمع مسلحة وهي الثغر.

(10) المعاهدة: الذمية وهي غير المسلمة المقيمة في بلاد المسلمين.

(11) الحجل: الخلخل، القلب: السوار، الرغاث: جمع رغثة وهو القرط ..

(12) الاسترجاع: ترديد الصوت بالبكاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت