وبدأ به فقال: يا أبا عبد الله, أخبرني عما أسألك عنه, كيف ترانا معشر المعتزلة, فإنا قد شككنا في الأمر الذي تبين لكم من هذا القتال, ورأينا أن نستأنى ونتثبت حتى تجتمع الأمة؛ قال: أراكم معشر المعتزلة خلف الأبرار, وأمام الفجار؛ فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك, حتى دخل على أبي موسى فقال له مثل ما قال لعمرو فقال أبو موسى: أراكم أثبت الناس رأيًا, فيكم بقية المسلمين, فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك, فلقى الذين قال لهم ما قال من ذوي الرأي من قريش, فقال: لا يجتمع هذان على أمر واحد, فلما اجتمع الحكمان وتكلما
قال عمرو بن العاص: يا أبا موسى, رأيت أول ما تقضي به من الحق أن تقضي لأهل الوفاء بوفائهم, وعلى أهل الغدر بغدرهم, قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألست تعلم أن معاوية وأهل الشام قد وفوا, وقدموا للموعد الذي واعدناهم إياه؟ قال: بلى, قال عمرو: اكتبها فكتبها أبو موسى, قال عمرو: يا أبا موسى, أأنت على أن نسمي رجلًا يلي أمر هذه الأمة؟ فسمه لي, فإن أقدر على أن أتابعك فلك علي أن أتابعك وإلا فلي عليك أن تتابعني, قال أبو موسى: أسمي لك معاوية بن أبي سفيان فلم يبرحا مجلسهما حتى استبا, ثم خرجا إلى الناس, فقال أبو موسى: إني وجدت مثل عمرو ومثل الذين قال الله عز وجل: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} [الأعراف: 175] .
فلما سكت أبو موسى تكلم عمرو فقال: أيها الناس وجدت مثل أبي موسى كمثل الذي قال الله عز وجل: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة:5] . وكتب كل واحد منهما مثله الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار [1] . والزهري لم يدرك الحادثة فهي مرسلة, ومراسيله كأدراج الرياح لا تقوم بها حجة [2] , كما قرر العلماء. وهناك طريق أخرى أخرجها
(1) المصنف (5/ 463) , مرويات تاريخ الطبري, ص (406) .
(2) المراسيل لأبي حاتم, ص (3) , الجرح والتعديل (1/ 246) .