ويحتقر غيره فهو الصواب والكل خطأ, وهو الحق والكل باطل, وهو الهدى والجميع ضلال, وقد رأينا أُناسًا بلغ بهم سوء الظن مبلغًا غريبًا عجيبًا, حتى أخرجوا جميع الناس عداهم, أحياء وأمواتًا, فرموهم بالزيغ والضلال, وفساد الاعتقاد, فالجميع في عقيدته دخن ودخل, وهم وحدهم المخلصون, الجميع هالكون وهم الناجون. إن الظن السيء آفة, ولكل آفة آثارها الخطيرة, فمن آثارها السيئة -والسيء لا يلد إلا سيئًا-:
* أنه يدفع صاحبه لتتبع العورات, والبحث عن الزلات, والتنقيب عن السقطات, وهو بذلك يعرض نفسه لغضب الله وعقابه, لأن ذلك من صفات مرضى القلوب الذين توعدهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالفضيحة فقال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه, لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم, فإن من تتبع عوراتهم يتتبع الله عورته, ومن يتتبع الله عورته يفضحه في بيته» [1] .
* كما يدفع صاحبه إلى الغيبة, ونهش أعراض الآخرين, والتشفي فيهم.
* وأخيرًا فالظن السيء يزرع الشقاق بين المسلمين, ويقطع حبال الأخوة, ويمزق وشائج المحبة, ويزرع العداء والبغضاء والشحناء.
ولما كانت هذه الآفة ذات خطورة عظيمة كما تبين, فقد كان موقف الإسلام حاسمًا, وقد دعا وأمر باجتناب أكثر الظن, لأن الوقائع والأحداث أثبتت أن الجري وراءه واتباعه عاقبته وخيمة, وأضراره عظيمة [2] , قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12] , قال ابن كثير: يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظن, وهو: التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله, لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا, فليجتنب كثير منه احتياطًا [3] , ومما يدفع سوء الظن التماس العذر لأخيك, قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا, وأنت تجد لها في الخير محملًا» [4] .
(1) مُسند أحمد 4/ 421 - 424.
(2) ظاهرة الغلو في الدين ص 201 - 211.
(3) تفسير ابن كثير (4/ 212) .
(4) تفسير ابن كثير (4/ 212) .